هل ينتبه البطل هذه المرة؟

182727708946تتصاعد انتقادات التيارات السلفية والجهادية للرئيس الإخواني وجماعته، ما على هذا بايعناك (“انتخبناك” حسب المصطلح العلماني الذي قبلناه على مضض من باب محاربة أهل الباطل بسلاحهم)، أين تطبيق شرع الله الذي وعدت به؟ أين شعارات جماعتك التاريخية؟ أين “قادم قادم يا إسلام” و”ع القدس رايحين شهداء بالملايين” و”خيبر خيبر يا يهود جيش محمد سوف يعود”؟ كيف تهادن اليهود الذين يقتلون إخواننا في فلسطين وتتعاون مع الأمريكان الذين يقتلون إخواننا في أفغانستان وتمدح الروس الملاحدة الذين يقتلون المجاهدين في الشيشان ويدعمون بشار في قتل أهل السنة في سوريا؟ بل كيف تدعو رئيس دولة المجوس وتسمح له بممارسة البدع والشرك؟ أما علمت خطر الشيعة الروافض؟
ما على هذا بايعناك!

مع تصاعد معارضة السلفيين وعلو صوتهم ومع خروج أقاليم كاملة من البلاد من سيطرة الدولة إلى حكم الجماعات الجهادية بشكل شبه رسمي ومتوافق عليه، يزداد تخبط القيادة الإخوانية لفقدها التأييد المطلق لقطاعات عريضة من الشعب من ناحية ولفشلها في تحقيق وظائف الدولة (غذاء وطاقة وأمن وخلافه) من ناحية أخرى، وهنا يظهر الحل السهل، فلنشدد القبضة الأمنية على المعارضين من أجل حماية مسيرتنا نحو النهضة (اسمها هنا النهضة وفي أزمنة وأمكنة أخرى كانت “إرادة قوى الشعب العامل” أو “مقاومة الاستعمار” أو “حماية مكتسبات الثورة” .. أيا كان الاسم ففقد احتاجت دائمًا لقبضة أمنية مشددة حتى لا يغرّر المعارضون – الذين هم بالضرورة عملاء لجهة ما – بالشعب الطاهر – الذي هو بالضرورة في صف السلطة).

تيارات أصولية مسلحة تكفّر الحاكم والدولة والمجتمع ومدعّمة بأموال وأسلحة من الخارج – سلفيون ثوريون يسيرون معصوبي الأعين خلف قائدهم الباحث عن الزعامة والذي يرى العالم كله على جبهته كلمة “كذاب” إلا هم – تدخلات من قوى إقليمية تسعى لزيادة حصتها من كعكة النظام الجديد في مصر، مع تزايد الضغوط السياسية والاقتصادية على النظام الإخواني من جهة وتزايد الضغوط الأمنية على التيارات الأخرى من جهة ثانية يصبح الصدام حتميًا .. يصبح الانفجار مسألة وقت!

يفعلها الجهاديون مرة أخرى (فقد مرت الأولى في رمضان الماضي دون أدنى رد فعل من الدولة) ولكنهم في هذه المرة يوسّعون نطاق وأهداف العملية بمساعدة العناصر الإرهابية التي تدفقت على البلاد من الخارج في آخر عامين حاملةً معها خبرات شيطانية طويلة، هذه المرة عملية كبيرة استهدفت نقاط الحدود مع إسرائيل وأسقطت عشرات الجنود المصريين وبضع عسكريين ومدنيين إسرائيليين وجعلت حكومة تل أبيب تعقد اجتماعًا طارئًا لبحث الرد بقوة على “العدوان المصري”.

النظام الإخواني يتخبط تحت وقع الضربات المتلاحقة سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا وأخيرًا التهديد الإسرائيلي بحرب صريحة ما لم يسارع بالقبض على منفذي العملية وتسليمهم لإسرائيل .. يتحاور الرئيس مع مكتب إرشاده ويقرر “المجلس الرئاسي” هذا التشبث بالقشة الباقية له بدلًا من الغرق في دوامة حرب يعرف جيدًا أنها أعلى من قدراته .. ويقرر تكليف جميع أجهزة الدولة الأمنية سواء التابعة للداخلية أو للقوات المسلحة والمخابرات بالقبض على الجناة “ولهم في سبيل ذلك اتخاذ ما يرونه من تدابير”!

تعود الاعتقالات الجماعية واحتجاز الأقارب والنساء وحملات المداهمة غير الملتزمة بأوامر قضائية، وتعود ممارسات قانون الطوارئ والقوانين العسكرية والمعاملة غير الآدمية للمحتجزين .. وكأن “أعظم دستور عرفته البشرية” لم يُكتب!

يصل غضب الجهاديين إلى أقصاه مع عودة التعامل معهم كما كان أيام النظام القديم، ويزداد إحباط السلفيين من طعنهم في الظهر بعد أن كانوا ملكيين أكثر من الملك، بعد أن ساندوا الإخوان باسم الدين وخاضوا المعارك بالنيابة عنهم في مواجهة خصومهم السياسيين وسكتوا عما رأوه داخل أروقة الحكم من نوايا خبيثة حتى لا يُشمتوا “أعداء المشروع الإسلامي”، يترسخ يقينهم الآن بأن الدائرة ستدور عليهم حتمًا وأنهم أُكلوا يوم أُكل أصدقاؤهم الجهاديون، خرجوا بمظاهرات قابلها الأمن بالعنف، هاجموا الإخوان في منابرهم الإعلامية ذات الشهرة ونسب المشاهدة العالية فقام وزير الإعلام الإخواني بإغلاقها بثغرة ما في قانون ما صدر منذ قرن ولم يستخدمه أحد، كما زاد انقسام مشايخ السلفية الكبار (بعد أن كانوا قد انقسموا بالفعل إلى مدرسة الإسكندرية الأكثر أصولية ومدرسة القاهرة الأميل لطاعة الحاكم أيًا كان) فأصبح المشايخ – ذوو اللحوم المسمومة – يسبّون بعضهم البعض علنًا على القنوات الدينية التي انقسمت بدورها تبعًا لميول أصحابها ومموليها تجاه أحد الطرفين، بينما يتخبط الأتباع في الشوارع تحت وطأة هذه الصدمات في شيوخهم الذين كان مجرد التفكير في احتمال أن يلحق بأيّ منهم نقص ما هو ذنب عظيم يستوجب التوبة وتجديد الإيمان.

تلقي المخابرات الحربية القبض على منفذي العملية ويقرر الرئيس تسليمهم إلى إسرائيل لأن الحادث (كما ورد في التبرير الرسمي المعتمد من المقطم والمطابق لما أعلنه سابقًا المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي) حدث داخل الأراضي الإسرائيلية بـ20 مترًا، وتكشف التحقيقات عن تورط زمرة من كبار المشايخ في دعم العملية أو التحريض عليها أو التأصيل الفقهي لإباحتها، بالإضافة لتورط عناصر أجنبية مطلوبة للعدالة في دول عدّة في التخطيط والدعم اللوجستي، فتطالب إسرائيل بتسليمهم جميعًا ليحاكموا في تل أبيب.

ثم يُقتل الرئيس، هكذا فجأةً ودون سابق إنذار، يصاب بطلق ناري وهو خارج من صلاة الجمعة التي أصبحت المناسبة الوحيد التي يخرج فيها علنًا منذ شهور.

يسارع الجميع إلى نفي تورطهم في مقتل الرئيس (شهيد المحراب كما أصبح يُعرف الآن) يل وتتصاعد الاتهامات المتبادلة بين الفصائل المختلفة ويحمّل بعضها البعض مسئولية قتل الرئيس و”جر البلاد إلى دوامة العنف”، تبدأ بعض التنظيمات في استعراض ما تملكه من أفراد وتسليح علنًا في ظل غياب شبه تام لسلطة الدولة وإحجام من الجيش عن التدخل إما منعًا لتكرار تجربته السيئة في الاحتكاك المباشر بالمواطنين في السنتين التاليتين للثورة أو تهيئةً للمواطنين للمطالبة بتدخل حاسم يُنهي حالة الفوضى ويُدخل البلاد إلى عصر حكم عسكري يستند هذه المرة إلى تأييد شعبي مطلق.

حوادث متفرقة هنا وهناك تأتي كنتيجة طبيعية لاحتكاك الفصائل ببعضها البعض في غياب السلطة الرسمية ومحاولة كل فصيل فرض سيطرنه رسميًا على مناطق نفوذه، هنا إخوان وهناك جهاديون وسلفية جهادية وسلفية علمية وجماعة إسلامية وحازمون وكتائب الشهيد فلان وأنصار الشيخ علان، فتنشأ بالتالي كانتونات منفصلة داخل المدن يخضع كل منها لسيطرة فصيل ما وتتقاطع مع بعضها البعض في محاور حدودية دائمة التوتر لا يمر أسبوع إلا ويقع فيها قتيل أو أكثر.

لا يعرف أحد تحديدًا متى تيدأ الحرب الأهلية، ولكنهم يدركون وهم في أوجها أنها قد بدأت بالفعل منذ زمن دون أن يدركوا إرهاصاتها، يدركون أنهم رسميًا في حالة حرب حين تكون كل فرص التراجع قد ضاعت وكل المراكب قد أُحرقت.

ولكن ماذا عن باقي التيارات السياسية؟ أين ذهب الليبراليون واليسار بمختلف فصائله؟ هذا سؤال ساذج! وهل كان في الحرب الأهلية الأفغانية ليبراليون؟ الحرب دائرة بين تيارات جميعها يعتقد أنه يملك ماء السماء الطهور ولا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، جميعها يجزم أنه هو الفرقة الناجية، أما من يفصلون الدين عن السياسة فهم خارج المشهد تمامًا في الداخل بعد تصفية بعضهم جسديًا وتصفية الآخرين معنويًا بتشويه السمعة والتكفير وبعد أن وصل انقسامهم وخلافهم الأيدلوجي إلى حد مثير للشفقة حتى لم يبق لهم تأثير يُذكر مع هجرة معظم مؤيديهم خارج البلاد واقتصار وجودهم على بعض مؤتمرات صحفية للمعارضة في الخارج، وربما يعودون يومًا ما على مدافع دبابات حلف الأطلنطي تحت قيادة “جلبي” جديد أو “كرزاي” جديد!

هذا السيناريو تخيلي تمامًا وإن كان غير مستبعد الحدوث طالما ظل من يديرون الدولة يتعالون على حقائق التاريخ والمنطق، حدث ذلك من قبل في أفغانستان والصومال ومالي ولبنان والعراق والجزائر وفلسطين، فأي ضمان عندنا يمنع تكراره في مصر؟ إن من يتجاهل دروس الماضي هو كمن يذهب إلى السينما لمشاهدة فيلم شاهده قبل ذلك عشرات المرات وهو على يقين بأن البطل سوف ينتبه – في هذه المرة بالذات – للسهم القادم من خلفه وينجو من الموت ثم يقضي على الأشرار!

Category: Blog Posts | Tags: , , | Leave a comment

غرفة العناية المركزة – عزالدين شكري فشير

17372864ربما هي رواية أقل من “باب الخروج” وإن حملت رؤية نقدية جيدة كعادة د. عز الدين، يمكن تلخيصها بالكامل في الجملة العبقرية: “الوسط مجرد مرحلة في طريق انتصار التطرف”.

أقتبس من الرواية فقرتين في غاية الجمال:

“في أي حركة سياسية عقائدية يبدأ الأمر بسيطرة مجموعة من المعتدلين، وبعد ذلك يظهر جيل أكثر تطرفًا بكثير يدعو لاستخدام العنف بحجة فشل الأساليب السياسية في تحقيق أهداف الحركة، ويستخدم ذلك ايضًا لتقوية نفوذه داخل الحركة ككل، وغالبًا ما ترى القيادات التقليدية في نشأة هذا التيار فرصة لتخويف الحكومة من عواقب اضطهادهم هم المعتدلين، مع إحساس زائف بالثقة أنه لا يمكنهم أن يفقدوا سيطرتهم على الحركة، لكن الحقيقة أنهم يفقدون هذه السيطرة وأن من يحمل السلاح وينفذ الأوامر في هدوء وطاعة عمياء في البداية لا يلبث أن يشعر بقوته ويفرض نفوذه ورؤيته شيئًا فشيئًا حتى تنقلب الآية وتصبح القيادات المعتدلة مجرد واجهة لتطرف وإرهاب العنف الذي تمارسه القيادة الميدانية”

“عدت لأني من هنا، لأني لا أهتم بامتحان الثانوية العامة إلا هنا، ولا تهمني الأخبار المحلية إلا هنا، ولا يمس قلبي تغير معالم شارع أو مبنى أو بناء جسر أو حفر نفق إلا هنا، ولا أحلم إلا هنا، عدت لأني لا أستطيع في أي بلد آخر أن أرى الشارع الذي ذهبت فيه للمدرسة، أو المكان الذي قابلت فيه صديق العمر لأول مرة، أو أن أتذكر الفيلم العربي الذي شاهدته وأنا طفل، أو الأغنية التي استمعت إليها وأنا جالس على المقعد الخلفي لسيارتنا بين أبي وأمي وأنا في السادسة، عدت لأن هنا هو المكان الوحيد الذي سيفتقدني إن ذهبت، لأن هنا هو المكان الذي أشعر فيه أن لوجودي معنى، أني يجب عليّ أن أفعل شيئًا فيه وله كي يصير أفضل ولو قليلًا، أن لي فيه جمهور، عدت لأن هنا هو المكان الوحيد الذي لا يفترض أن أبرر فيه سبب وجودي، عدت لأني أشعر أن هذا المكان لي، أن مصر ملك شخصي لي”.

Category: Book Reviews | Tags: , , , | Leave a comment

1984 – George Orwell

1984It’s significantly hard to write a review on such a sophisticated novel, it’s simply mind-twisting, it’s the sort of novel that once you read you are never the same person anymore, it’s amazing and overwhelming how a novel written in the 1940s could have that great influence on generation after generation of writers and film makers worldwide, it’s not merely a political novel or a novel that’s against suppression and dictatorship, it’s much deeper, therefore I’m just going to quote some significant parts of the novel:

“He who controls the past controls the future. He who controls the present controls the past”.

“Day by day and almost minute by minute the past was brought up to date. In this way every prediction made by the Party could be shown by documentary evidence to have been correct”!

“Orthodoxy means not thinking, not needing to think, Orthodoxy is unconsciousness”! (I really like this one).

“Everything faded into mist. The past was erased, the erasure was forgotten, the lie became truth”.

“In the end the Party would announce that two and two made five, and you would have to believe it. It was inevitable that they should make that claim sooner or later: the logic of their position demanded it .. and what was terrifying was not that they would kill you for thinking otherwise, but that they might be right!”

“Freedom is the freedom to say that two plus two make four. If that is granted, all else follows”.

“If you kept the small rules you could break the big ones”.

“The terrible thing that the Party had done was to persuade you that mere impulses, mere feelings, were of no account, while at the same time robbing you of all power over the material world”.

“They can’t get inside you. If you can feel that staying human is worth while, even when it can’t have any result whatever, you’ve beaten them”.

“The problem was how to keep the wheels of industry turning without increasing the real wealth of the world. Goods must be produced, but they must not be distributed. And in practice the only way of achieving this was by continuous warfare”.

“War is a way of shattering to pieces, or pouring into the stratosphere, or sinking in the depths of the sea, materials which might otherwise be used to make the masses too comfortable, and hence, in the long run, too intelligent”.

“Physical facts could not be ignored. In philosophy, or religion, or ethics, or politics, two and two might make five, but when one was designing a gun or an aeroplane they had to make four” (that should actually be taught to school children).

“The masses never revolt of their own accord, and they never revolt merely because they are oppressed. Indeed, so long as they are not permitted to have standards of comparison, they never even become aware that they are oppressed”.

“They could only become dangerous if the advance of industrial technique made it necessary to educate them more highly” (does that sound familiar?)

“Because the inquisition kills its enemies in the open, and killed them while they were still on repentant; in fact, it killed them because they were unrepentant. Men were dying because they would not abandon their true beliefs. Naturally all the glory along to the victim and all the shame to the inquisitor who burned him”.

and eventually:

“Now I will tell you the answer to my question. It is this. The Party seeks power entirely for its own sake. We are not interested in the good of others; we are interested solely in power, pure power. What pure power means you will understand presently. We are different from the oligarchies of the past in that we know what we are doing. All the others, even those who resembled ourselves, were cowards and hypocrites. The German Nazis and the Russian Communists came very close to us in their methods, but they never had the courage to recognize their own motives. They pretended, perhaps they even believed, that they had seized power unwillingly and for a limited time, and that just around the corner there lay a paradise where human beings would be free and equal. We are not like that. We know what no one ever seizes power with the intention of relinquishing it. Power is not a means; it is an end. One does not establish a dictatorship in order to safeguard a revolution; one makes the revolution in order to establish the dictatorship. The object of persecution is persecution. The object of torture is torture. The object of power is power. Now you begin to understand me”.

“The choice for mankind lies between freedom and happiness and for the great bulk of mankind, happiness is better” (I like this one too).

Category: Book Reviews | Tags: , , , | Leave a comment

ملخص البرنامج السياسي لحزب مصر الحرية .. من تصميمي

program-backprogram-front
ملخص البرنامج السياسي لحزب مصر الحرية

Category: Blog Posts | Tags: , , , | Leave a comment

لا رجم في شريعة الرحمة الإسلامية – محمد بن المختار الشنقيطي

21fa3f1cb6ddb2a567dbf5a0ffaef644د. محمد بن المختار الشنقيطي

أستاذ تاريخ الأديان بكلية قطر للدراسات الإسلامية
أستاذ التفسير والنحو بجامعة الإيمان اليمنية سابقا
دكتوراه في تاريخ الأديان من جامعة تكساس

الرجم من المصائب الفقهية الكبرى في تاريخ الإسلام، وهو أبلغ مثال على التخلي عن المحكمات القرآنية واتباع الآثار المضطربة، وإليكم البيان:

تتراوح عقوبة الزنا في القرآن الكريم بين ثلاثة: جلد الزانيين: “فاجلدوا كل واحد منهما”، والإقامة الجبرية للنساء: “فأمسكوهن في البيوت”، وأذية الرجال: “فآذوهما”، تخلَّص الفقهاء من عقوبة الإقامة الجبرية للنساء، وعقوبة الأذى للرجال، بحجة أن الآيتين اللتين وردت فيهما العقوبتان منسوختين، وجاء الفقهاء بعقوبة غريبة عن روح الإسلام، ومناقضة لنص القرآن، وهي الرجم، ففرضوها عقوبة للزاني المحصن والزانية المحصنة.

وهكذا أراد الله عقوبة الزاني عذابا: “ويدرأ عنها العذاب” “ما على المحصنات من العذاب”، وجعلها فقهاءُ الرجم تقتيلا وتمثيلا، فأيهما أحسن قيلا؟

بنى الفقهاء عقوبة الرجم على أحاديث مضطربة المتون، معلولة الأسانيد، مثل حديث الغامدية، وحديث الداجن، وحديث المجنونة!!

جل أحاديث الرجم يتضمن طعنا في حفظ القرآن الكريم، فمن قال بالرجم فهو قائل ضمناً بتحريف القرآن – والعياذ بالله – لأن أغلب أحاديث الرجم تفيد ذلك!

  • مثال1: حديث الداجن: “لقد نزلت آية الرجم والرضاعة فكانتا في صحيفة تحت سرير فلما مات رسول الله (ص) تشاغلنا بموته فدخل داجن فأكلها”.
  • مثال2: “قال عمر: لولا أن يقول الناس زاد عمر في كتاب الله لكتبت آية الرجم بيدي” [متى كان عمر مجاملا للناس في القرآن؟]
  • مثال3: “كم تقرؤون سورة الأحزاب؟ قلت: ثلاثا وسبعين آية. قال: قط! لقد رأيتُها وأنّها لتعادل سورة البقرة وفيها آية الرجم”.

من غرائب أحاديث الرجم الأثر الذي يقول “أتيَ عمر بمجنونة قد زنت، فاستشار فيها أناسا، فأمر بها عمر أن تُرجم” حتى أقنعه علي بتركها!! – أبو داود وأحمد، هنالك خلاف في أسانيد هذه الأحاديث، لكن العلل في متونها أكبر، وأسوأ تلك العلل الطعن الضمني في حفظ القرآن، والمناقضة الصريحة لمضامينه.

من أمثلة اضطراب أحاديث الرجم: أنها جعلت عقوبة المحصنة الرجم حتى الموت، والقرآن جعل عقوبة المحصنة تُنصَّف، فهل يوجد نصف موت؟!

قصة الغامدية محشوّة بالتناقض والغموض، وأوله تضارب الروايات هل المرأة المرجومة غامدية أم جهنية، وهي هي قصة واحدة أم قصتان .. إلخ

حديث الداجن المروي عن عائشة رضي الله عنها قال عنه العلامة المحدّث الجوزقاني في كتابه (الأباطيل والمناكير) إنه حديث باطل.

أطبق علماء المعتزلة على إنكار الرجم منذ القديم، وقد أصابوا في ذلك وأحسنوا إذ تثبثوا بالقرآن واطّرحوا الآثار المناقضة له، كل من له ذوق في العربية وقرأ قول تعالى بعد فرض الجلد: “ولا تأخذكم بهما رأفة” عرف أن الجلد قاس بما يكفي ولا عقوبة للزنا أقسى منه.

يستبشع المقلدون رد أحاديث الرجم الواردة في البخاري ومسلم، ولا يعرفون أن الدارقطني رد 200 من أحاديثهما، ورد ابن تيمية والألباني بعضها، وأنكر الشيخ محمد أبو زهرة – وهو أعلم الناس بالفقه ومدارسه في القرن العشرين – عقوبة الرجم، واعتبرها تشريعا يهوديا لا إسلاميا.

الخلاصة: لا رجم في الإسلام، ولا عقوبة للزنا إلا ما نص عليه محكم الكتاب من جلد للزانيين، أو الإقامة الجبرية للمرأة الزانية، والأذى للرجل الزاني.

Category: Blog Posts | Tags: , | Leave a comment

الحسين ثائرًا .. الحسين شهيدًا – عبد الرحمن الشرقاوي

1723820017237317أسد: أتشتم رجلًا هو من صحب رسول الله، وقد بشره بالجنة؟ فأبشر أنت بنار سقر
سعيد: لا بل رجل لما آل إليه الحكم انفرد به حتى استأثر، فزيف قاعدة الشورى، وخالف نصًا في القرآن، قاتل جدي وهو يصلي لما اعترض على رأيه
أسد: قد كان يشاورنا في الأمر
سعيد: ليستكمل أبهة الحكم !! أنتم آفتنا الكبرى، كنتم شكلًا للشورى، وكان رضاكم يسبقكم، لم تُفتح أفواهكم أبدًا إلا لتقولوا نعم.

————-

الحسين: كل هذا! لا سليمان ولا قارون قد شاهد هذا المال كله
كل هذا وبلاد الله قد فاضت بأبناء السبيل
كم من جياع شاهدوا قافلة المال وما يدخل أفواههم إلا غبار القافلة.

————-

زينب: إن هذا لقضاء الله فينا .. ما عسانا نستطيع
فإن لم يفنَ من يُلقي على الأيام نورًا فلماذا خلق الله الشموع؟

————-

زينب: ذهبوا وقد فسد الزمان ولم يعد في الأرض إلا بعض أشباه الرجال!

————-

زينب: إن كان كذّبك الرجال فلا ملام ولا عتاب
خانوا العهود وتلك شيمتهم جزاؤهم بها يوم الحساب
فاذهب بنا لنعيش في كهف بعيد
كالفتية الأبرار حين تبجّح الزيف المعربد
كيلا نرى الوجه الكذوب ولا ابتسامات المنافق
كيلا نرى البهتان يعبث فوق أشلاء الحقائق
ماذا عسى يجدي الإباء اليوم في سوق الإماء؟
وبأي أسلحة تذود عن الحقيقة في مواجهة الألوف الدارعين؟
والصدق مغترب وحيد لا يصدقه أحد
والحق منبوذ مشرد.

————-

الحسين: إنني أعرف أن الحق مصلوب على باب المدينة
وحواريوه من ذعرهم لا يندبونه
إنهم تحت ظلال الشوك يبكون ولكن ينكرونه
إنني أعرف ما يغشى النجوم
عندما تزحف أرتال السحاب الجهم في الليل البهيم
إنني أعرف أن الشمس ما عادت تنير
عندما تعمى قلوب في الصدور .. مثلما تعمى العيون
إنني أعرف أن الرجل الباسل لا يعطي الدنية
في خيار بين ذل العيش أو عز المنية
إنني أعرف أن الزيف قد أصبح سلطان الجميع
فاتكٌ يغزو وما من قلعة تثبت دونه
مهّد الخوف له الأرض وأغراه الخنوع
ملك مستهتر يثخن في الأرض .. ومن يثخن فيهم يعبدونه
تاجه الغدر .. وأسراه الدموع!

————-

الحسين: أنا الشهيد هنا على طول الزمان .. أنا الشهيد
فلتنصبوا جسد الشهيد هناك في وسط العراء
ليكون رمزًا داميًا للموت من أجل الحقيقة والعدالة والإباء
قطراته الحمراء تسرح فوق أطباق السحب
كي تصبغ الأفق الملبّد بالعداء .. ببعض ألوان الإخاء
طوبى لأبناء الحقيقة أدركوا أن الإباء هو الطريق إلى النجاة
وتذكروني دائمًا
فلتذكروني كلما استشرت طواغيت الظلام
وإذا عدت كسف الجوارح فوق أسراب الحمام
وإذا طغت نُوَب الحروب على نداءات السلام
وإذا تمطى الوحش في الحقل الندي يلوك أحشاء الصغار
وإذا طغت قطع الغمام على وضاءات النهار
وإذا مشى الفقهاء مخذولين .. يلتمسون عطف الحاكمين
وإذا انزوى العلماء خوفًا من صياح الجاهلين
وإذا أوى الضعفاء للأحلام يقتاتون بالأمل الحزين
وإذا دجا ليل الخطايا .. وإذا تبجحت الدنايا
وإذا الفضائل أصبحت خرساء عاجزة .. وصوت الشر صدّاح مبين!

————-

الحسين: يا لهذا الهول كلّه!
كيف تقوى الأرض على حملٍ كهذا وهي لم تندكّ بعد؟
يا لهذا الليل يستلقي على صدري بثقله
كل هذا الروع يا ربي ولم تسقط على الأرض السماء؟
كل هذا يا إلهي ويظل القمر الباهر يُلقي بالضياء؟
ونسيم الليل يسري .. والنجوم الزرق تلمع .. وتظل الشمس تسطع؟
يا إلهي كل هذا الدم والناس عطاش؟
آه يا ضيعة من عاش لكي يبكي كل الأصدقاء
آه يا وحدة من مات محبّوه .. وعاش!

Category: Book Reviews | Tags: , , | Leave a comment

كارنيه عضوية حزب مصر الحرية .. من تصميمي

id1

id2

Category: Blog Posts | Tags: , , , | Leave a comment

لا يوجد “مشروع إسلامي” .. توجد مشاريع بشرية

05388_05388_05388_05388_Old-Paper-Template-16x16-Allah-IIمن كتاب ”سر المعبد“ للأستاذ ثروت الخرباوي:

أخذ الأستاذ نفساً عميقاً ثم قال بهدوء: الإسلام السياسي والإسلام الاجتماعي والإسلام التعبدي والإسلام الاقتصادي، هذه تقسيمات غريبة ومريبة وليست من الإسلام في شيئ، فالإسلام شيئ واحد لا ينقسم ولا يتجزأ، اسمع مني يا ابني الحبيب، كلمة “إسلامي” ومشتقاتها من الكلمات الدخيلة علينا، وهي من تلبيس إبليس الذي أراد أن يحول ديننا السهل البسيط الذي يتجه فيه العبد إلى ربه مباشرة دون وسيط، إلى دين كهنوتي معقد، فيه طبقة تسمى “طبقة الإسلاميين” وهي شبيهة بطبقة “الكهنة”، وطبقة أخرى اسمها “طبقة العلماء”، فيحذرونك من التعرض لطبقة الإسلاميين لأنهم يمثلون الإسلام!! وبالتالي فهم مثل السفراء ومثل السفارة، فأنت إذا قمت بالاعتداء على سفير دولة أجنبية في بلدك، أو تعديت على أرض السفارة فكأنك اعتديت على الدولة الأخرى نفسها، وكذلك إذا انتقدت “الإسلاميين” فكأنما تكون قد انتقدت الإسلام نفسه، ويحذرونك أيضاً من التعرض لطبقة العلماء بالنقد، ويلقون في وجهك عبارة مرعبة هي “احذر يا أخي فإن لحوم العلماء مسمومة”، فيظن العامة أن هذه العبارة حديث وما هي بحديث، وإنما هي مقولة قالها عالم من العلماء هو الحافظ ابن عساكر، وكان ابن عساكر “الشافعي المذهب” قد نشبت بينه وبين الحنابلة خلافات فقهية فوجهوا إليه سهام نقدهم فأراد أن يضرب على أيديهم ويمنعهم من نقده، فقال لهم هذه العبارة، والغريب يا ثروت أن الحنابلة الآن هم الذين يستخدمون هذه العبارة!! وبها أصبحوا طبقة من الكهنة من أصحاب القداسة، وهم الذين يملكون فهم الإسلام، إذ ليس لك أن تفهمه وحدك دون “مناولة” من العالم، ليس لك أن تفهمه كما فهمه البدوي البسيط الذي قال له الرسول صلى الله عليه وسلم: “قل آمنت بالله ثم استقم”.

نحن نسجد لله في أي مكان، كل الأرض مسجد لنا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الشريف: “جُعلت لي الأرض مسجداً وطهورا”، فإذا بنا نتفنن في إقامة المساجد بزخرفتها وعمدانها وطنافسها وقبابها الشاهقة التي تقترب من النسق الروماني ومآذنها المرتفعة، وقلنا على تصورنا الإنساني هذا: هذه هي العمارة الإسلامية!! لماذا يتحول نمط معماري جادت به قريحة أحد البشر – وقد يكون غير مسلم – إلى عمارة تنال شرفاً وقدراً وقيمةً من كلمة “إسلامية” التي تلتصق بها؟! هذه هي عمارة المسلمين لا الإسلام، جرب مرة أن تكتب مقالا تقول فيه: “إن العمارة الإسلامية عمارة فاسدة الذوق والمعنى، أو إنها عمارة متخلفة” ثم انتظر كم التكفير الذي سينالك، مع أنك عندما ستنتقد أو سترفض ستنتقد فكراً إنسانياً لا ديناً إسلامياً، وإذا زاد سخطك على استبداد مارسه حكامنا على مدار قرون اكتب “إن التاريخ الإسلامي سيئ” وانتظر يا ثروت جحافل التكفير، مع أنك تنتقد أو تهاجم تاريخ المسلمين لا الإسلام، تاريخ الإسلام انتهى كما قلت لك يوم وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، وهلم جرا، لا يمكن أن تقترب من بعض الأقانيم التي قدسها المسلمون لأن اسمها ارتبط بكلمة “إسلام”، وبذلك وضع إبليس على ألسنتنا هذه العبارة لتتحول إلى صك قداسة لا تستطيع بسببه توجيه أي نقد لشيخ الإسلام أو حجة الإسلام أو عالم الإسلام أو برهان الإسلام، ثم إذا مارست نقداً للحركة التي نسميها “إسلامية”، فهنا سيستقر في ضمير المنتمين لهذه الحركة أنك ضد الإسلام، ألست تنتقد جماعة “إسلامية”؟ إذن فأنت عدو للإسلام أو كاره للإسلام.

قلت له: كلام له قيمته يا أستاذ، ولكن كيف دخل هذا المصطلح إلى حياتنا؟

سكت برهة وكأنه يستجمع أفكاره ثم نظر إلي قائلاً وهو يرفع الكتاب الذي بيده: هذا اللفظ يا بني لم يرد لا في القرآن ولا في الحديث الشريف، الألفاظ التي جاءت في القرآن هي “مسلم، مسلمة، مسلمون” لكن إسلامي أو إسلامية لا وجود لها في القرآن، وقد بحثت في كل المعاجم القديمة عن هذه الكلمة فلم أجدها، ولكنني في إحدى المرات وأنا أبحث صادفتني هذه الكلمة “إسلامي” و”الإسلاميين”، فقد قرأتها عند أبي الحسن الأشعري وابن تيمية والجاحظ وابن خلدون، ووجدتها مستخدمة أحياناً عند علماء الكلام، وقد استخدموا هذا المصطلح من الناحية التاريخية للتفريق بين من ولدوا في عصر الإسلام الأول ولم يشهدوا الجاهلية، وبين من ولدوا وعاشوا في الجاهلية وماتوا قبل الإسلام، فالجاهليون عند علماء الكلام والفلسفة وعند من ذكرت لك أسماءهم هم من ينتسبون تاريخياً إلى العصر الجاهلي، بخلاف الإسلاميين الذين ينتسبون إلى عصر الإسلام، وفي العصر الحديث دخل علينا هذا المصطلح في القرن العشرين، ثم استشرى وتفرع وتفرعن وتقدس وتكدس حتى أصبحت هناك مدلولات نفسية لهذا المصطلح، هذه المدلولات تشير إلى أن الإسلامي هو من “يدين بالعبودية لله وحده في نظام حياته” أي في القوانين والتشريعات وكل شئ، هو الذي يؤمن بأنه لا يجوز لنا أن نشرع لأنفسنا، ففي “الظلال” يقول سيد قطب: “ويدخل في إطار المجتمع الجاهلي (الكافر) تلك المجتمعات التي تزعم لنفسها أنها مسلمة، لا لأنها تعتقد بألوهية أحد غير الله ولا لأنها تقدم الشعائر التعبدية لغير الله، ولكنها تدخل في هذا الإطار لأنها لا تدين بالعبودية لله وحده في نظام حياتها”، فيكون من لا يدين بالعبودية لله في نظام حياته كافرًا، وهذا الكافر بطريق الاستقراء هو “غير الإسلامي”. أرأيت أن المدلول النفسي لمصطلح “إسلامي” يقودنا شعورياً لتكفير غيرنا؟ وكذلك عندما نقول :”حزب ذو مرجعية إسلامية” أو أننا نملك “المشروع الإسلامي”، الله يا ثروت لم يبعث الرسول صلى الله عليه وسلم بالإسلام ليبشر به الناس كـ”مشروع”، هذه مصطلحات تحط من قداسة الإسلام لترفع من قدر أفكار الناس، ولذلك يجب أن تعصف الحركة التي تسمي نفسها إسلامية ذهنها، وتجدد مصطلحاتها لأن تجديد المصطلحات سيقود حتماً إلى تغيير الأفكار، وإلا كانوا كمن قال الله فيهم “وجدنا آباءنا لها عابدين”.

Category: Blog Posts | Tags: , , | Leave a comment

قبل أن يتحول الجميع إلى مسوخ

الاخوان-المسلمين2من كتاب “سر المعبد” للأستاذ ثروت الخرباوي:

يقول الأستاذ “أبو غالي”:

جاء لي خطاب تلميذة نجيبة من تلاميذي تعودت كل حين أن ترسل لي خواطرها الدينية، هي تُشخّص حالة الحركة الاسلامية وأظنها تقصد جماعة مثل جماعة الاخوان وتستخدم تعبير “الحَقْن” أي المداواة بالدواء الذي يُحقن به المريض في موضع متعلق بقائد الجماعة أو شيخها أو عالمها وطريقته مع أتباعه، وانشداه أتباعه له لدرجة أنهم يعتبرونه قديسًا ملهمًا وكأنه الإسلام نفسه، وما انشدهوا لمرشدهم أو شيخهم إلا لأنه حقنهم بما يريد فأصبح هو حاقنًا و أصبحوا هم محقونين.

“أفكر كثيرًا يا أستاذي العزيز فيما كان الناس عليه قبل أن يتحول الجميع إلى مسوخ، ومن الذي كان عالمًا بأفكارهم و توجهاتهم حتى استطاع أن يبعث بأصل تكوينهم عبر الزمن، لا أشك أبدًا في أن من قام بذلك العمل المشين قد ارتدى بإخلاص ثوب الله، ظن أنه المتحدث بإسمه وأنه يده الباطشة في الأرض.

هل تَعلَّم كُتُبَه ورحماته وعرف منها نقاط ضعف المخلوقين ثم استخدمهم بها؟ تمعن في الوثائق التى تشرح كيف هو، خبأ منها ما يمكن أن يرشده للنور ونشر ما يريد هو، فأظهر الله بوجه لم يكن أبدًا له، ونشر أديانًا ومذاهب لم يخبر عنها، مسخ كل ما يوصل للحق، وحتى يقبل الناس ذلك و يدافعوا عنه كان يجب مسخهم أيضًا.

هذا هو “الحقّاني” صاحب الامر والنهى، زعيم “أهل الحَقن” وهو من يصدر الأحكام المطلقة على الجمهور سواء كانوا من “العامة” أو من “طلبة الحقن”، ولم ينس “الحقانون” أن يضعوا قواعد مشددة لحماية أنفسهم، فكانت القواعد الصارمة والوعيد الشديد لمن انتقدهم أو خاصمهم أو جادلهم للدرجة التى أصبحت تعقد الندوات والمؤتمرات وتطبع الكتب والمجلات في التحذير من المساس بهم، و كأنما نسي هؤلاء أن لهم نبيًا عندما قال: “كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ شَجُّوا وَجْهَ نَبِيِّهِمْ” رد عليه ربه: “لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ”، نسوا أن الشخص الصالح في كل تاريخ هو الذي يتحمل أذى الناس وجهلهم ويمسك بأيديهم ويوجههم، لا يتكبر أبدًا أو يشترط طريقة معينة في التعامل معه و”الأدب” في المرور من مملكته و أخذ موعد مع زبانيته لمقابلة قداسته، لم يكن نبي هكذا ولم يكن الله، فمن أنتم ؟؟؟

أما السَدَنة “طلاب الحقن” أو “المتحقينون” فهم الطوّافون بمنازل الحقانين، الناشرون لمناقبهم، المكافَئون بجزء لا بآس به من قداستهم، رفع أهل الحقن عنهم شبهات الخطأ فأصبحوا دائمًا على صواب، وإن زلّت ألسنتهم و أقلامهم بما يخالف مرتبتهم العليا يُغفر لهم، خطؤهم هو الاجتهاد وصوابهم هو الفتح المبين وكلٌ من عند الله.

ولا شك أن طالب الحقن المبتدئ أو “الطويلب” كما يحلو لبعض من سبقوه بأعوام في ذلك الفكر أن يسموه، لاشك أنه يلاقي المقابل ويقبض الثمن فور قيامه بذلك العمل، يبتسم له الجميع، يبادرونه بالتحية، حتى في المعاملات، فإن كان هو التاجر ذهب إليه الناس باعتباره “الصادق الأمين”، وإن كان هو المشترى فقد “حلت علينا البركة” بدخوله إلى أي متجر، وإن أراد أن يأخذ ما يأخذ “من غير فلوس” فسيكون ذلك عن تمام رضا من صاحب الخان فهذه “بركة” حلت عليه وعلى عائلته البعيدة من بعده.

و لكن، لا تنس أن القداسة أيضًا لها ضريبة، يجب أن تتظاهر أمام الجميع وأن يقتنع الجميع أن ترياق القداسة قد أصابك بالفعل وأنك (مثل الحقانين) لم تعد تخطئ أبدًا، و أنك بالرغم من ترديدك لمسائل عن التوبة والاستغفار إلا أنك لم تخطئ يومًا ولم تغفر لأحدهم إن فعل.

علاقة “طالب الحقن” بالله علاقة شائكة لأنه لا ينفرد به مثل “الحقانى” أو يبتعد عنه مثل من لم يمنّ عليهم أحدهم بالانضمام لذلك الفصيل المبارك، هو بين اثنين، لذلك فإنه رغمًا عنه يتحول لاثنين، “عامي عادي” و”حقانى” ينفض عن ثوبه الناصع خوف ما يكون قد مسه من رذاذ هواء لم يعطر بذكر الحقن.

و في الطبقة الدنيا يأتى “العوام”، و”العامي” مصطلح يطلقه حراس الكتب والنظريات الحقانية على كافة البشرية دونهم وطلابهم، وكل ما يصل ذلك الشخص الذي يمثل الأغلبية عن “الله” أنه الغيب الذي لا يمكنك السؤال عنه أو تخيل أي علاقة به، مصدر العقاب والعذاب، كما هو من ترفع يديك له وتقول “يارب” فيجيبك صوت : لن يجيب فاسدًا مثلك.

يبتعد الله عنهم بقدر ما يسمعون من عادات المجتمع أو أحكام الكبار، حتى إذا ما ذُكر الله وجدت زفرات الجميع حولك من العوام تنطق بالألم .. لم يعرف أحد الله !!

ابنتك هدى”

أنهيت القراءة ثم ابتدرته قائلًا : الحقانون وعالم المسوخ والمحقونون، عشنا فعلًا وقلوبنا تتلقى الحقن من الحقانين، وكان الحقانون وسطاء، يملكون الحلال والحرام، بيدهم الحق “والحقن”، لا نراهم على باطل أبدًا، هذا هو حال جماعة الإخوان المسلمين بالحرف الواحد.

ما دام الجسد مهيأً للحقن فإن كل الأفكار قابلة أن تدخل إليه، لذلك كان جهد “حسن البنا” الأكبر هو أن يصنع الجسد القابل للحقن، ولما أصبح الجسد مهيأً حَقَنه بما يريد، و الجسد المهيأ للحقن يظل دائمًا قابلًا لأى حقن مادام الذين يحقنونه هم القادة، هل عرفت لماذا اشترط حسن البنا في أركان البيعة “السمع و الطاعة و الثقة في القيادة”؟ اشترطها ليجعل الجسد على الدوام مستقبلًا للحقن المستمر، هل رأيت في المستشفيات “الكانيولا الوريدية” التى يركبونها على وريد في اليد ليكون الجسد على أهبة الاستعداد لاستقبال أي حقنة؟ هكذا الثقة في القيادة، وكذلك السمع و الطاعة.

ومن وقتها أصبحت وسيلة تسخير الأخ الجديد هي حقنه بمضخة الحَقْن المحقن الذي يحتوى على الثقة في القيادة والسمع والطاعة، حينها يمكن أن تضع في هذا الجسد ما تشاء من أفكار، كن على رأس الإخوان تستطيع أن تجعلهم ليبرالين أو خوارج لو أحببت، لذلك دخل على جسد الإخوان أفكار سيد قطب وأفكار الوهابيين والحنابلة، المهم أن تأتى هذه الأفكار من مركز الحَقْن الرئيسي.

Category: Blog Posts | Tags: , , , , | Leave a comment

سر المعبد – ثروت الخرباوي

ma3badوقائع وأحداث يرويها من قلب الجماعة ثروت الخرباوي بالأسماء والتواريخ (معظمها أسماء مشهورة وكثير منهم مازال على قيد الحياة وفي مناصب قيادية) مما يكسبها مصداقية كبيرة خاصةً أن أحدًا لم ينفها، لم أتوقف كثيرًا عند الحوادث المتكررة للنذالة ونقض العهود والخيانة والتجسس داخل الجماعة فربما كانت حوادث فردية وربما تدخل في سردها ضغينة شخصية مثلًا.

ولكنني توقفت طويلًا عند مفهوم “جاهلية المجتمع” الذي خرج به علينا سيد قطب عبر فهم غير ناضج لكتابات أبي الأعلى المودودي وكانت هي النظرية الأساسية التي قام عليها فكر التكفير والإرهاب باسم الدين الذي عانينا ومازلنا نعاني وسنظل نعاني منه على الأرجح لسنوات طويلة، ليس في مصر فقط وإنما في العالم كله.

فكر سيد قطب الذي بنى عليه شكري مصطفى جماعة التكفير والهجرة على مبدأ أن المجتمع الذي عاش فيه كافر وأنه المهدي المنتظر الذي سيعيد الإسلام للأرض فقتل الشيخ الذهبي ووافقه كثيرون من الإخوان على رأسهم المرشد مصطفى مشهور.

فكر سيد قطب وشكري مصطفى الذي تبناه “تنظيم العشرات” بقيادة مصطفى مشهور الذي أدخل رجاله القطبيين التكفيريين في مناصب قيادية بالجماعة وفي مقدمتهم على حد قول الخرباوي: خيرت الشاطر ومحمود عزت ومحمد بديع ومحمد مرسي !!

يثبت الكتاب أن الفكر التكفيري أصيل عند الإخوان منذ كتابات حسن البنا، ويثبت أن “النظام الخاص” الذي أنشأه البنا ليحمل السلاح ويقتل الناس ثم ألغاه قد أعاده المرشد مصطفى مشهور دون أن يعلم معظم أفراد الجماعة أنهم أعضاء محتملين فيه، كذلك “قسم الوحدات” المختص بأعضاء الإخوان داخل الجيش المصري، ويعطي بدايات خيوط قد تثبت وجود مؤامرة بين الإخوان والولايات المتحدة وبعض قادة الجيش لتمكين الإخوان من الوصول للسلطة عبر تدبير ثورة 25 يناير.

ويجيب الكتاب كذلك عن سؤال طالما خطر ببالي: هل يعتقد أتباع الجماعات الإسلامية بشكل عام أن بقية أفراد الشعب غير مسلمين أو على أحسن تقدير مسلمين بالاسم والوراثة فقط؟ وجاءت الإجابة للأسف كما كنت أعتقد: نعم !!!

حاولت اختيار بعض الفقرات المهمة من الكتاب لعرضها هنا ولكني وجدتها كثيرة لدرجة لا يمكن اختصارها، الفصول الثلاث الأخيرة هي الأخطر والأكثر أهمية وفيها خلاصة الكتاب، كذلك معظم الفقرات التي يتحدث فيها الأستاذ “أبو غالي” شديدة الأهمية والنضج الفكري لدرجة جعلتني أفكر أنه يجب تجميعها وطبعها في كتيب صغير يدرس لطلبة المدارس كسلاح في مواجهة التكفيريين والظلاميين، لا أعرف لمذا ظل هذا الرجل مجهولًا رغم منطقه القوي وفكره التجديدي وتاريخه في الجماعة، ربما كان هذا هو السبب نفسه.

يستحق الكتاب النجوم الخمسة لما يحتويه من حقائق مهمة ولكني خصمت منه نجمتين، نجمة للتطويل خارج السياق والفقرات الإنشائية رغم أنها مكتوبة بلغة عربية بليغة (وهذه إحدى أهم سمات من تربى في مدرسة الإخوان) وللاستنتاجات غير الواقعية المبنية على كلام مرسل وغير مثبت (وهذه أيضًا إحدى أهم سمات من تربى في مدرسة الإخوان) مثل اليقين بأن الوزراء وأعضاء الحكومة بل وكل قادة العالم من الماسونيين! ونجمة أخرى للمستوى السيء جدًا لطباعة الكتاب (طبعة دار نهضة مصر)، نوعية ورق رديئة وطباعة غير منتظمة، صفحات مفقودة وصفحات مكررة وأخرى نصف ممسوحة، مستوى طباعة يناسب الستينات أو السبعينات رغم ارتفاع سعر الكتاب نسبيًا ورغم أنها الطبعة الخامسة.

Category: Book Reviews | Tags: , , , | Leave a comment

باب الخروج – عزالدين شكري فشير

13562054رواية صادقة إلى حد الصدمة، هي ليست تخيلية (fiction) بالكامل وليست واقعية (non-fiction) بالكامل وإنما تقف في منطقة غامضة بين الاثنين، تمتلئ بالإسقاطات على شخصيات واقعية مثل الدكتور سيد والدكتور رفعت اللذان يمثلان المعارضة الأليفة التي تخدم أي نظام حاكم حتى تجاوزا التسعين وصارا ينامان في الاجتماعات، ومثل اللواء القطان الذي يشبه وصفه الفريق سامي عنان ومثل “الريس بيومي” أول رئيس منتخب والذي ينتمي لجماعة الإخوان.

تحمل الرواية رؤية عميقة – ومخيفة لشدة واقعيتها ومنطقيتها وقابليتها للتحقق – عن مستقبل مصر الذي يظل مضطربًا مع تبادل المواقع بين التيارات السياسية ما بين معارضة وسلطة وما بين مجلس رئاسي مشترك وبين حرب صريحة، وتحمل تخيلًا لكل التوافيق والتباديل المحتملة على كرسي السلطة بين التيارات السياسية مع سيناريو مفزع للفوضى وانهيار الدولة، تجد فيها مزايدات اليسار الثورية ومزايدات اليمين الدينية وتحولات الليبراليين المفجعة تحت وطأة الصراعات السياسية حتى نصل للنقطة المفصلية في 2020 حين يجد الشباب “باب الخروج” بعد تسع سنوات من التخبط ويصبحون على بعد خطوة واحدة من فتحه فيقف في وجههم الحاكم العسكري بكل ما يمثله من الفكر القديم.

أحسن المؤلف بترك النهاية مفتوحة فالتاريخ لا نهاية له، وأحسن في قراءة واقع المصريين وفهم نفسيتهم بشكل عميق، وهذه فقرات استوقفتني كثيرًا وأدعوكم لتأملها:

هنا يتحدث بطل الرواية عن الفرق بينه كأحد الموجودين داخل “مطبخ” الرئاسة وبين صديقه أستاذ العلوم السياسية:
“بدأ حديثي معه في الأمور السياسية يقل، لا لشيء إلا أن قدرتي على شرح خلفيات الأمور التي أعرفها تقلصت مع تعمق معرفتي بهذه الخلفيات، هل تفهم ما أعنيه؟ كلما عرفت تفاصيل الأمور ودواخلها صعب عليك شرحها لمن لا يفهمها، عز الدين أستاذ في العلوم السياسية وتفكيره شديد التنظيم وحديثه واضح، يفكر ويتحدث كأنه يضع رسومًا هندسية لمبنى، أما أنا فأعيش داخل المبنى بكل تفاصيله ومشكلاته وأقبيته وفئرانه والرطوبة الناشعة على جدرانه والجير المتساقط منه، أعرف كيف تستخدم غرف المبنى ولِمَ توجد قطع الأثاث في الأماكن التي توجد فيها ومن أين أتت ومن يحرص على مكانها ومن يتربص بها ويريد نقلها أو الاستيلاء عليها، المهندس برسومه الواضحة لا يرى شيئًا مما أراه، وكلما ازدادت معرفتي بهذه التفاصيل بدا لي حديثه الفكري الأنيق بعيدًا عن واقعي وتصعب علي مهمة الشرح، فأصمت!”.

ثم عن الفوضى يقول عند نجاح المتظاهرين في إقالة الوزارة عن طريق قذف مقرها بالحجارة:
“هؤلاء المحتجون مساكين فعلًا، يعانون معاناة حقيقية ولديهم آمال يظنونها قابلة للتنفيذ، وعندهم شعور بالقدرة على فرض مطالبهم، ولا يعرفون في ابتهاجهم بالنصر إلى أي حد هم مخدوعون!”.

ثم يكشف جانبًا مهمًا من نفسية المصريين حين يقول:
“صحيح أن الناس يطالبون بالحرية والمساواة والإصلاح، لكن ربما كانت هذه المطالب – كما يقول اللواء القطان – مجرد كلام يقوله الناس للتسرية عن أنفسهم دون أن يكونوا على استعداد لدفع ثمنها، قد يكون هذا هو الأمر: ليس الناس على استعداد لدفع ثمن ما يطلبونه، وسواء كانوا يعلمون بذلك أو لا فالواجب يقتضي عدم الاستجابة لمطالبهم حماية لهم، والتظاهر بالعمل على الاستجابة لهم كيلا يشعروا بالإحباط”.

ونفس الفكرة من وجهة نظر السلطة على لسان القطان نفسه:
“من غير المهم حل أي مشكلة، فمعظم المشكلات غير قابلة للحل، ومن الغباء استهداف حلها بشكل جاد لأنك ستزعج الناس كلهم وتؤلمهم وتنكد عليهم عيشتهم ثم تفشل في نهاية الأمر، هذا إن لم ينقلبوا عليك في الطريق ويزيحوك”.

وفي النهاية يصل إلى هذه الحكمة:
“قد أكون موسى الغر المتعجل، لكن سيدنا الخضر مات ولا أنبياء بيننا ليخبرونا عن عواقب أفعالنا البعيدة، إن رأيت رجلًا يقتل غلامًا فامنعه، وإن رأيت أحدًا يخرق سفينة فأوقفه، وإن رأيت ظالمًا يبني سورًا فلا تساعده، لا أحد غير الله يرى النعم المتنكرة في صورة نقمات، فامنع النقمة ودع البقية للخالق”.

Category: Book Reviews | Tags: , , | Leave a comment

The Innocent Man – John Grisham

397229This is my first John Grisham reading, legal thriller is an interesting subjecy, however, this novel could easily emerge in half this size, too much off-context details and too much names got me a bit bored and a bit lost, though the case is hearth-breaking, but being a real story had some disadvantages such as not being able to know the final solution of the case, you get a load of promising leads from the first chapter, mysterious murder, wrongfully-spelled words written with catsup on walls, then another murder that’s more bizzare and mysterious with corpse whereabouts missing, you expect a breath-taking thriller and you expect – obviously – to eventually discover the solution of all that mess, but you simply – and unfortunately – don’t!, you just get a very obvious fact: Oklahoma is a terrible place to get into any trouble with police!

P.S. note to the art director or whoever put a bunch of photos at the exact middle of the book: you’ve spoiled the thriller by showing me photos of Ron and Dennis getting exonerated while I was still reading their terrible suffering in prison and death row !!!

Category: Book Reviews | Tags: , , | Leave a comment

عزازيل – يوسف زيدان

3554772كعادة مؤلفات د. يوسف زيدان تخرج من هذه الرواية بأسئلة جديدة أكثر مما تحصل على إجابات، يمكنك أن تعتبرها رواية مسلية ويمكنك أن تنطلق منها للبحث فيما وراء الرواية من أفكار حول العقائد والإيمان والفلسفة والتاريخ، عن هيباتيا وعن الإسكندرية التي كانت إحدى المدن الثلاث العظمى في العالم بجانب روما والقسطنطينية، وعن المسيحية وصراع الكنائس بين السلطة الدينية والسياسية.

فكرة طرح قضية صراع المذاهب المسيحية من خلال رواية هي فكرة مفيدة نجحت في عرض المفاهيم والأحداث المعقدة بشكل أكثر جاذبية من الدراسات الأكاديمية الأخرى للدكتور يوسف زيدان مثل كتاب “اللاهوت العربي” مثلًا والذي وإن كان أعمق وأشمل إلا أنه صعب على غير المتخصصين في التاريخ والدارسين للفلسفة.

أهم ما في الرواية في رأيي هو مرحلة الإسكندرية التي ظهرت فيها بوضوح بشاعة التعصب الديني وإقصاء الآخر المختلف في الدين إلى درجة تحريض عامة الناس من “المؤمنين الجهلاء” على الفتك بمن اتهمتهم الكنيسة بالكفر والهرطقة، ثم التفرغ لإقصاء أتباع نفس الديانة المختلفين في مسائل عقائدية واتهامهم أيضًا بالكفر والزندقة، يبدو لي المشهد مشابهًا بشكل كبير لما نراه اليوم من تكفير وإقصاء للآخر المخالف في الدين أو المذهب أو حتى في التفاصيل الفرعية.

أما أهم مشاهد الرواية كما أراها فهو عندما يحكي الراهب هيبا عن لقائه ببابا الإسكندرية كيرلس:
“سألني أول ما رآني عن عمري فاخبرته، وأخبرته أنني أتيت أصلًا للإسكندرية للتبحر في دراسة الطب، فرد عليّ بسؤال لم أفهم في البداية معناه:
- ومن هو أعظم المتبحرين في الطب؟
- يا صاحب القداسة، يقال أنه مصري قديم اسمه آمنحوتب، أو هو اليوناني الشهير أبوقراط، أم تراك يا أبت تقصد الذين جاءوا بعدهما من الأطباء الإسكندرانيين، من أمثال هيروفليوس، أو الذين درسوا بالإسكندرية من أمثال جالينوس؟
- خطأ، إجاباتك كلها خاطئة، فالذين ذكرتهم كلهم وثنيون، ولم يستطع واحد منهم أن يبرئ المجذوم والأبرص، وأن يحيي بلمسة من يده إنسانًا مات!
- عفوًا يا صاحب الغبطة ولكني لم أفهم ما تقصد إليه.
- إن يسوع المسيح أيها الراهب هو بحر الطب، فتعلم منه ومن سير القديسين والشهداء، واغترف البركات بيد تقواك وإخلاصك.

سكت كيرلس برهة ثم قال: لعله من المناسب أن نرسلك إلى أخميم، فالشعب هناك يجاهد في سبيل الرب بعدما تكاثر حولهم في السنوات الماضية الفارّون من هنا والمشتغلون بالعلوم التي لا نفع لها.
احترت فيما يمكن أن أرد به عليه ثم واتتني الجرأة أو الحمق فخفضت من صوتي وسألته بكل أدب:
- وماهي يا صاحب القداسة العلوم التي لا نفع لها حتى أعرفها وأحرص على الابتعاد عنها؟
- هي أيها الراهب خزعبلات المهرطقين وأوهام المشتغلين بالفلك والرياضيات والسحر، فاعرف ذلك وابتعد عنه لتقترب من سبل الرب وطرق الخلاص، إن كنت تريد تاريخًا؟ إليك التوراة وسفر الملوك .. أو تريد بلاغةً؟ إليك سفر الأنبياء .. أو تريد شعرًا؟ إليك المزامير .. وإن أردت الفلك والقانون والأخلاق فإليك قانون الرب المجيد، قم الآن أيها الراهب لتلحق بالصلاة، لعلك تحظى بنظرة عناية من المسيح الحي”.

لا أعرف إذا ما كان د. زيدان قد قصد هذا الإسقاط الواضح جدًا على واقعنا الحالي أم أنني فقط رأيته بهذا الوضوح، يبدو لي البابا هنا كأحد الشيوخ المشهورين الآن وهو يتحدث عن “شمولية الدين” وأن فيه إجابة لكل سؤال وحل لكل مشكلة وأن العلم المفيد الوحيد هو العلم الشرعي، وأرى أصدقائي من السلفيين لا يقرأون في التاريخ والأدب والسياسة إلا من كتب ألفها شيوخ لا متخصصون في هذه العلوم، ويستخرجون من النصوص المقدسة ما يظنون أنه تاريخ وعلوم تضاهي ما توصل إليه المتخصصون في هذه العلوم من خارج نطاق الدين مثل ما يعرف بالطب النبوي على سبيل المثال، في حين أن الأمر يسير بشكل واضح نحو سلطة دينية كاملة على كل مجالات الحياة مثلما كان في الإسكندرية القديمة لدرجة إعلان أحد الشيوخ مؤخرًا أنه “رجل دين محترف”! إنهم يخلقون للإسلام كهنوتًا ليس فيه ويكررون تجربة الإسكندرية الدموية المريرة.

Category: Book Reviews | Tags: , , | Leave a comment

ثلاثية غرناطة – رضوى عاشور

ساحرة هذه الرواية، وقدرة رضوى عاشور مذهلة على الحفاظ على نفس الروح على مدى فصول الرواية ومراحلها رغم تبدل الشخصيات والأجيال والأماكن، يشدني دائمًا تناول التاريخ من وجهة نظر عامة الناس أكثر من التناول “الرسمي” الذي لا يعنيه إلا سيرة الملوك والساسة، التاريخ هنا أكثر صدقًا وعمقًا.

يلف الرواية من الصفحة الأولى إلى الأخيرة جو ملحوظ من الشجن وقلة الحيلة والتشبث بأمل (أو وهم) المساندة والمدد المنتظرين من الإخوة في مصر والشام والمغرب والأناضول، ورغم أن هذه المساندة لا تأتي أبدًا إلا أن الأمل يعيش مع الأجيال المتعاقبة، ربما كان في ذلك إسقاط على قضية فلسطين وربما أنا الذي فهمته على هذا النحو.

كذلك يبدو جليًا علامات الشك وتزعزع الإيمان بالله مع توالي الضربات الموجعة عبر الأجيال فمع الظروف شديدة القسوة التي عاشت فيها الشخصيات تخفي دينها بينما تضطر للتنصر في العلن، انزلقت أكثر من شخصية إلى الشك في قدرة الخالق سبحانه وتعالى أو في جدوى التمسك بالإيمان بل وحتى في احتمال تخلي الخالق سبحانه وتعالى عنهم، وتفسر الرواية كذلك كيف ذابت الهوية تدريجيًا مع الأجيال من التنصر الشكلي إلى تغيير الأسماء والملابس وحظر العادات الإسلامية إلى توجيه التعليم نحو الهوية الجديدة حتى تصبح الهوية الأصلية مجرد أساطير لا يتوقف أمامها أحد ولا يفتخر بها.

Category: Book Reviews | Tags: , , , | Leave a comment

صديقي السلفي .. أتبيع دينك بدنيا غيرك؟

576462صديقي السلفي، لطالما تجادلنا حول أمور تعتبرها أنت من أصول العقيدة وأعتبرها أنا مسائل حياتية خاضعة لتغيرات الزمان والمكان والظروف، لطالما تناقشنا في مسائل “الولاء والبراء” و”الحاكمية” و”تطبيق الشريعة” و”ولاية المرأة” و”الاقتصاد الإسلامي” و”ولي الأمر” وغيرها، وكنت دائمًا تستشهد بآراء شيوخك من دعاة السلفيين وتنتقد “النظام الحاكم” على إصراره على الحكم بغير ما أنزل الله.

والآن وقد تبدلت الظروف ووصل للأغلبية البرلمانية ولمنصب رئيس الجمهورية من يصفون نفسهم بـ”الإسلاميين” وتشكلت جمعية تأسيسية أغلبيتها منهم لوضع دستور جديد لمصر، إذ بي أجدك وأجد شيوخك وقد نسيتم (أو تجاهلتم متعمدين) ما كنتم تصرون عليه وتكفرون الدولة وتخرجون الحاكم من الملة بسببه، هل تذكر كم مرة تلوت علي قول الله سبحانه وتعالى “وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ” – “وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أنزل اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ” – “وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أنزل اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ”؟

هل تبدل ما أنزل الله أم بدلتم أنتم دينكم؟ لماذا قبلتم وقبل شيوخكم بدستور لا يتضمن ما تعتقدون موقنين أنه من أصول العقيدة بل يتعارض معه ويضاده؟ أنا هنا أصر على آرائي التي تختلف مع ما تعتقدونه ومازلت أراها مسائل حياتية خاضعة لتغيرات الزمان والمكان والظروف، بل وأتفق تمامًا مع نصوص الدستور التي سأذكرها كأمثلة (وإن كنت أرفض مشروع الدستور لأسباب حقوقية وأخلاقية)، ولكن تذكر أن ذلك كان رأيي منذ البداية وما زال، أما أنتم فلا أفهم كيف تقبلون نصوصًا تخالف اعتقادكم وتدعون بسطاء الناس للموافقة عليها.

بداية دعنا نتفق أن وجود شيوخ السلفيين (مثل د. ياسر برهامي و د. محمد يسري إبراهيم والشيخ سعيد عبد العظيم والشيخ صلاح عبد المعبود والشيخ محمد الكردي والشيخ شعبان عبد الحميد ويونس مخيون وغيرهم) في الجمعية التأسيسية هو في الأساس بصفتهم “رجال دين” وليس لأي صفة أخرى فهم ليسوا متخصصين في القانون أو السياسة، إذًا فما يقترحونه في الجمعية التأسيسية هو ما يمثل ثوابت عقيدتهم وليس طرحًا سياسيًا أو قانونيًا يقبل التنازل أو التفاوض، هنا تكمن خطورة إقحام الدين في السياسة، فالسياسي يمكنه أن يفاوض ويتنازل عن بعض مطالبه مقابل تمرير مطالب أخرى، أما رجل الدين فلا أفهم كيف يتنازل عن بعض دينه ويفاوض عليه!

بغض النظر عن أن “الديمقراطية” حرام عند جموع السلفيين وكثير من شيوخهم صرحوا بذلك علنًا، وبغض النظر عن أن فكرة “الدولة” بشكلها الحالي مخالف لما يعتقده السلفيون بدليل عدم وقوفهم في أي مرة للسلام الجمهوري للدولة التي يضعون دستورها، إليك بعض الأمثلة الصارخة من مشروع الدستور:

  • في قضية “ولاية المرأة وغير المسلم”، المادة 134 تحدد شروط المرشح لرئاسة الجمهورية ولا تشترط دينًا أو جنسًا، وهذه شروط نهائية وليس في المادة عبارة “على النحو الذي ينظمه القانون”، وبالتالي يمكن ترشح المرأة وغير المسلم للرئاسة وقد يفوز/تفوز بالمنصب (ربما ليس الآن ولكن بعد 30 سنة)، أين ما كنتم تصرون عليه من حرمة ولاية المرأة وغير المسلم؟ أين حديث “لن يفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة”؟ وأين قاعدة “لا ولاية للكافر على المسلم” هل تبدل دين الله أم بدلتم أنتم دينكم؟
  • في قضية “الحاكمية”، طرح د. ياسر برهامي تعديل المادة 5 “السيادة للشعب” إلى “السيادة لله وحده” ودافع عنها بالأدلة الشرعية، ثم فوجئنا بالمادة تطرح للتصويت دون تعديل ويتم الموافقة عليها! أين ذهبت آية “إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ”؟ وأين ذهبت آية “وإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ”؟ هل تبدل دين الله أم بدلتم أنتم دينكم؟
  • في قضية “الشريعة” رأينا جميعًا إصرار النواب السلفيين على إضافة عبارة “بما لا يخالف شرع الله” قبل أو بعد القسم الدستوري الرسمي الذي يقسمه نواب البرلمان في أول جلسة “أقسم بالله العظيم أن أحافظ مخلصًا على النظام الجمهورى وأن أحترم الدستور والقانون وأن أرعى مصالح الشعب رعاية كاملة وأن أحافظ على استقلال الوطن وسلامة أراضيه”، قالها جميع النواب السلفيين دون استثناء تقريبًا في مجلسي الشعب والشورى رغم مخالفتها للائحة وللدستور زاعمين أن في الدستور والقانون ما يخالف شرع الله فلا يمكنهم احترام ذلك، فلما جاء وقت كتابة الدستور وضعوا نص القسم الدستوري كما كان ودون تغيير رغم أنه ما زال في الدستور والقانون ما يخالف ما يعتقدون أنه شرع الله! هل قررتم أنه يمكنكم الآن مخالفة شرع الله؟ هل تبدل دين الله أم بدلتم أنتم دينكم؟
  • في قضية “الاقتصاد الإسلامي” الذي طالما تحدثتم بأن خلاص هذه البلاد لا يكون إلا بتطبيقه (لا أعلم تحديدًا ما هو تعريف الاقتصاد الإسلامي إلا فيما يتعلق بإلغاء فوائد البنوك وعدم الاستثمار في الأنشطة المحرمة، هذه مجرد ضوابط للاقتصاد وليست منهجًا اقتصاديًا متكاملًا كالرأسمالية والاشتراكية مثلًا)، فأين في هذا الدستور ما ينص على إلزام الدولة باتباع الاقتصاد الإسلامي؟ وكيف تقبلون اختلاط أموال الضرائب والجمارك على الخمور بأموال الدولة (علمًا بأن الجمارك حرام عند جمهور السلفيين)؟ ألا ترون كيف رفعت الحكومة الضرائب على الخمور لزيادة موارد الدولة من المال “الحرام”؟ هل تبدل دين الله أم بدلتم أنتم دينكم؟
  • في قضية “ولي الأمر” من الثابت عند السلفيين عدم جواز عزل ولي الأمر ولا الخروج عليه طالما سمح بإقامة الصلاة، فكيف تقبلون بالمادة 133 التي تحدد الفترة الرئاسية بأربع سنوات وبحد أقصى فترتين وبالمادة 152 التي تبيح للبرلمان محاكمة الرئيس وعزله؟ هل في سيرة السلف الصالح حاكم تم تحديد فترة ولايته أو حاكمه ممثلوا “الرعية”؟ هل تبدل دين الله أم بدلتم أنتم دينكم؟
  • في قضية “الولاء والبراء” كيف تقبلون المادة 33 “المواطنون لدى القانون سواء وهم متساوون فى الحقوق والواجبات العامة لا تمييز بينهم فى ذلك”؟ هل ما تعتقدون أنه شرع الله يقول بمساواة المسلم بغير المسلم في الحقوق والواجبات؟ هل يقول بمساواة الرجل بالمرأة؟ أين الجزية؟ أين الوثيقة العمرية؟ أين آية “أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ”؟ أين آية “الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ”؟ هل تبدل دين الله أم بدلتم أنتم دينكم؟
  • أما عن موضوع المادة الثانية وما أضيف من مادة تفسيرية (مادة 219) فهي أولًا لا تضيف جديدًا على حكم المحكمة الدستورية العليا سنة 1994 في تفسير عبارة مبادئ الشريعة الإسلامية وثانيًا لا تمنع وجود مصادر أخرى للتشريع، وقد شاهدت بعيني حملة يقودها د. شهاب أبو زهو (من علماء السلفيين في الإسكندرية) لجمع التوقيعات من أجل إضافة مادة دستورية نصها “الشريعة الإسلامية مصدر كل تقنين” ولم يتم قبول طلبه.

فلنكتف بهذه الأمثلة ونتفق إذًا على أن هذا الدستور يخالف ما تعتقدون أنه ثوابت العقيدة ومنهج أهل السنة والجماعة في كثير من المواضع، ولكنكم تقبلونه وتدعون عامة الناس (الذين يثقون في الشيوخ ثقة عمياء) لقبوله، وأنا أعلم أسباب قبولكم للدستور التي تتلخص في ما يلي:

  • مساندة الرئيس ”الإسلامي” محمد مرسي ودعم شرعيته.
  • قطع الطريق على “العلمانيين والنصارى” الذين يريدون إسقاط المشروع الإسلامي (كما تظنون).
  • لأن الطرف الآخر يقف معه الإعلاميون والفنانون والفلول.
  • استقرار الأوضاع وبدء بناء مؤسسات الدولة.

وجميع ما سبق أسباب أتفهمها وأقبلها، ولكن بشرط أن تعترف أنت أيضًا – صديقي السلفي – أنك تبيع دينك بدنياك، فكل ما سبق لا يبرر لك التنازل عن ثوابت دينك (أو ما تعتقد أنت أنه ثوابت دينك)، أنت توافق على مشروع دستور علماني بحت لا يختلف (من وجهة نظر دينية) عن دستور السادات ومبارك إلا في مادة وحيدة وشكلية، إذا كنت تقبل هذا الدستور فلا تحدثني مرة أخرى عن “شرع الله” ولا تناقشني في ثوابت العقيدة، تعال إذًا نناقش المواد من وجهة نظر نفعية بحتة.

اقرأ رأي السلفية الجهادية مثلًا .. أختلف معهم تمامًا بالتأكيد لكني أحترم ثباتهم على المبدأ وعدم التنازل عما يظنون أنه الحق.

اقرأ كذلك بيان جبهة علماء السنة الرافض لمشروع الدستور الذي جاء فيه أن “الدستور باطل بكتاب الله وسنة رسوله والشريعة الاسلامية منه براء وممن كتبه وممن صاغه وممن دعا الناس للاستفتاء عليه”.

شاهد كذلك هذه الفيديوهات لعلماء السلفيين في مصر وخارجها:

قارن مثلًا مشروع الدستور الإسلامي الذي وضعه الأزهر الشريف سنة 1979 بدستور برهامي وأتباعه واحكم بنفسك، إذا كنت تريد دستورًا “إسلاميًا” فهذا هو النموذج، أما ما نستفتي عليه اليوم فهو دستور علماني وضعي لا يحمل من الشريعة (كما تفهمونها) إلا قشرة رقيقة خدعوكم بها ليحصلوا على تأييدكم.

أنت تتنازل عن عقيدتك خوفًا من شماتة لميس الحديدي، تبيع دينك لتقول للبرادعي وحمدين صباحي “موتوا بغيظكم”!! بالله عليكم مالكم كيف تحكمون؟

كلمة أخيرة، أنت لا تبيع دينك بدنياك فحسب يا صديقي، فالتيار السلفي لم يحصل على أي مكاسب من وصول الإخوان للحكم، كم وزير سلفي في الحكومة؟ كم محافظ سلفي؟ كم سفير سلفي؟ الإجابة لا أحد، استحوذ الإخوان بمساعدتكم على “مفاصل الدولة” وتركوا بعضها لرجال النظام السابق (الفلول)!

عفوا يا صديقي .. أنت تبيع دينك بدنيا غيرك.

تحديث: تم نشر المقال في موقع “بيت الحوار

Category: Blog Posts | Tags: , , , , | Leave a comment

لا للدستور – من تصميمي

تحميل نسخة للطباعة

تحميل نسخة للطباعة

Category: Blog Posts | Tags: , , | Leave a comment

دستور دُبِّر بليل .. لماذا أرفض الدستور

(*) حقوق الملكية الفكرية لتعبير “دستور دُبِّر بليل” لصديقي شريف نعمان

انتهت الجمعية التأسيسية من التصويت على مشروع الدستور قرب السابعة صباحًا بعد جلسة “تاريخية” امتدت لما يقارب 18 ساعة تحملها بمثابرة مذهلة رجال ونساء يتعدى عمر كثيرين منهم السبعين عامًا، ووصلوا إلى خط نهاية “السباق” قبل صدور حكم المحكمة الدستورية العليا “المتوقع” بحل الجمعية التأسيسية، فهنيئًا لمصر هذه الهمة العالية وروح العمل الجماعي المفاجئة التي لا تظهر إلا في الحروب!

بمنتهى الأمانة كنت أتمنى أن أحتفل اليوم مع المحتفلين بصدور المشروع النهائي لدستور مصر بعد الثورة وطرحه للاستفتاء فذلك في حد ذاته حدث تاريخي بعد عقود قضيناها تحت حكم دساتير عبثت بها السلطة الحاكمة وفصّلت بعض موادها لتقنين الاستبداد، لكن يمنعني من الاحتفال ويقف بيني وبين قبول هذا الدستور عدة أسباب بعضها مبدئي والآخر موضوعي، علمًا بأن معظم مواده جيدة وبعضها ممتازة، ولكن لا يمكن قبوله إجمالًا بما فيه من عيوب فذلك أشبه بتناول طعام شهي به نسبة محدودة من السم!

الأسباب المبدئية:

1. بحسب الإعلان الدستوري الأخير زادت المهلة المعطاة للجمعية التأسيسية شهرين لتنتهي في 12 فبراير 2013، وبدا واضحًا خلال جلسة التصويت المذاعة على الهواء وجود مواد كثيرة تحتاج لمزيد من المناقشة والتنقيح وطلب أعضاء كثيرون الكلمة لتوضيح نقاط هامة في بعض المواد ولكن رئيس الجمعية المستشار الغرياني رفض وأصر على التصويت على المواد دون مناقشة وكرر كثيرًا عبارات “معندناش وقت” – “عديها وخلاص” – “مفيش مناقشة”! لماذا لا تسمح بالمناقشة أيها القاضي الجليل؟ وكيف تسمح بأن تمر مادة دستورية (كده وخلاص)؟ وكيف لا يوجد وقت ومازال لديك أكثر من شهرين؟ بل أنك لم تكمل حتى المهلة الأصلية وقدرها ستة أشهر؟ أعرف الإجابة بالطبع وإن كنت في حالة صدمة منها، اللجنة ورئيسها (قاضي قضاة مصر رئيس محكمة النقض ورئيس مجلس القضاء الأعلى) يخافون من حكم “محتمل” تصدره المحكمة الدستورية العليا بحل الجمعية التأسيسية ويريدون الانتهاء من عملهم وانقضاء الجمعية قبل صدور الحكم! أليس ذلك تسييسًا لعمل الجمعية وتسييسًا للقضاء؟ كيف يقبل قاضي قضاة مصر بالتورط في السياسة؟ هل كان سيعقد جلسة مدتها 18 ساعة وتمتد إلى السابعة صباح اليوم التالي لو لم يكن يريد أن يستبق حكم المحكمة؟


مثال 2: مادة 139 صوت عليها 16 عضو بالرفض وعندما قال الغرياني أنه سيضطر لتأجيل التصويت عليها 48 ساعة إذا لم تُقبل وطلب التصويت مرة أخرى فرفضها 4 فقط، هل اقتنع الأعضاء الـ12 الآخرون بالمادة فجأة أم مرروا مادة مرفوضة خوفًا من التأجيل؟

مثال 1: مادة 38 وردت في المسودة النهائية ناقصة جملة مهمة ولم يتنبه لها أحد من الأعضاء بما فيهم المستشار الغرياني ورئيس لجنة الصياغة وكادت تمر ويتم إقرارها ناقصة بسبب التعجل حتى نبههم د. محمد محيي الدين من حزب غد الثورة

2. الجمعية التأسيسية ذاتها باطلة قانونًا حسب حيثيات الحكم بحل الجمعية السابقة لها والمتعلقة بعدم جواز مشاركة أعضاء برلمانيين فيها حيث أنه لا يجوز للبرلمان انتخاب نفسه، وبما أن معظم أعضاء الجمعية الثانية برلمانيين أيضًا (في تحد غريب لحكم المحكمة أو غباء سياسي غير مسبوق) فالمنطقي أن ينطبق عليها الحكم السابق.

3. الجمعية التأسيسية في وضعها الأخير الذي تم عليه التصويت لا تمثلني ولا تمثل قطاعًا ضخمًا من المصريين فمن كانوا يمثلونني في الجمعية انسحبوا منها اعتراضًا على دكتاتورية الأغلبية وعدم رغبتها في الوصول إلى توافق وإصرارها على إقصاء من يخالفها في وجهات النظر، والمقصود بـ”من يمثلني” هنا ليس القوى المدنية فقط وإنما أيضًا شخصيات غير حزبية تحسب على “الإسلاميين” مع تحفظي على التصنيف بوجه عام، مثل اللجنة الاستشارية لمراجعة مسودة الدستور التي ضمت المفكر الإسلامي والفقيه الدستوري د. أحمد كمال أبو المجد وأساتذة العلوم السياسية د. هبة رؤوف عزت و د. محمد السعيد إدريس و د. صلاح عز وغيرهم من الكفاءات، وقد تم تجاهل هذه اللجنة والإصرار على “إخراج الدستور في أقرب وقت مهما كان منقوصًا” حسب بيان اللجنة عند انسحابها.

4. تشكيل الجمعية بنظام “المحاصصة” كان سببًا في عدم التوافق، أصرت الأغلبية على الحصول على نسبة من المقاعد توازي نسبة تمثيلها في البرلمان بصرف النظر عن الكفاءة، فالأولى أن تضم الجمعية صفوة عقول مصر بجانب صفوة خبراء الدستور بغض النظر عن انتماءهم السياسي فلا مجال للسياسة في الدستور، ثم زادت الاستقطاب بتقسيم المقاعد بين ما أسمته “القوى الإسلامية” و”القوى المدنية”، ثم زاد العبث بأن احتسبت ضمن القوى المدنية ممثلي القوات المسلحة (هل يوجد جيش مدني؟) والأزهر الشريف وأحزاب إسلامية التوجه يمثلها أعضاء سابقون في جماعة الإخوان مثل الوسط والحضارة!

5. بعض أعضاء اللجنة من التيار السلفي تعمدوا عدم الوقوف للسلام الجمهوري في كل الجلسات، كما أن بعضهم أقر أكثر من مرة أنه لا يعترف بالديمقراطية ويراها حرامًا، كيف يكتب دستور مصر من لا يعترف بنظام الدولة ولا يحترم سلامها الجمهوري؟

6. الظروف التي يطرح فيها الدستور للاستفتاء تحمل ابتزازًا واضحًا لمعارضي الرئيس (49% من الشعب) فإما الموافقة على الدستور أو الإبقاء على الإعلان الدستوري الذي يعطي كل السلطات لرئيس الجمهورية ويحصن قراراته ضد الطعن، إضافة إلى الحشد الهائل للمؤيدين في مواجهة حشد المعارضين مما يهدد باقتتال داخلي، الدساتير لا تمرر بالابتزاز أو القوة الجبرية ولكن بالتوافق والتراضي.

الأسباب الموضوعية:

هذه ملاحظاتي الشخصية على بعض المواد التي أراها مهمة، ولكنها ليست كل ما يؤخذ على مشروع الدستور، برجاء مشاهدة الفيديو الهام للأستاذ مختار نوح القيادي السابق بجماعة الإخوان وعضو مؤسس حزب مصر القوية ومراجعة ما كتبه كل من محموعة مصرى للتنمية والتوعية و د. خالد فهمي وصفحة المصير لملاحظات أشمل.

  • مواد تجاهلها الدستور
  • ألغى الدستور الجديد منصب نائب رئيس الجمهورية الذي كان من مطالب الثورة أن يتم انتخابه مع الرئيس في ورقة واحدة وتكليفه ببعض مهام الرئيس.
  • لا يوجد ذكر لكلمة “السياحة” في دستور مصر التي يعتمد دخلها القومي بشكل أساسي على السياحة.
  • لا يحظر الدستور الحبس في قضايا النشر
  • أسقط الدستور الإشراف القضائي على الانتخابات البرلمانية والرئاسية، فمن سيشرف على هذه الانتخابات وكيف نضمن نزاهتها في ظل حالة الاستقطاب الشديدة بين المواطنين وعدم الثقة في الشرطة؟
  • تم حذف مادة ميزانية رئاسة الجمهورية ونصها “تدرج جميع نفقات رئاسة الجمهورية والأجهزة التابعة لها ضمن الميزانية العامة للدولة وتخضع لرقابة الجهاز المركزى للمحاسبات“، فكيف نعرف نفقات رئاسة الجمهورية ومن يراقبها؟
  • مادة 10: الأسرة أساس المجتمع، قوامها الدين والأخلاق والوطنية. وتحرص الدولة والمجتمع على الالتزام بالطابع الأصيل للأسرة المصرية، وعلى تماسكها واستقرارها، وترسيخ قيمها الأخلاقية وحمايتها؛ وذلك على النحو الذى ينظمه القانون.
  • كيف سينظم القانون حماية المجتمع للقيم الأخلاقية؟ هل يمكن بناء على هذا النص قيام هيئات “حسبة” أو رقابة شعبية على سلوك المواطنين بقوة القانون؟ هل ستنتقص هذه المادة من الحريات الشخصية؟
  • مادة 12: تحمى الدولة المقومات الثقافية والحضارية واللغوية للمجتمع، وتعمل على تعريب التعليم والعلوم والمعارف.
  • تعريب العلوم والتعليم كارثة ستؤدي لعزل الأطباء والصيادلة والمهندسين والكيميائيين وكل من يريد متابعة التطور العلمي عن العالم وتخفض مستوى تنافسية المهنيين المصريين بين أقرانهم من الدول الأخرى كما حدث في سوريا على سبيل المثال.
  • مادة 14: … ويجب ربط الأجر بالإنتاج، .. إلى آخر المادة
  • مادة تهدر حقوق العاملين بشكل مجحف، ماذا لو أراد صاحب العمل تثبيت حجم الإنتاج لمدة 10 سنوات؟ تظل الأجور ثابتة لمدة 10 سنوات في حين تستمر زيادة الأسعار؟ ماذا لو قل الإنتاج لظروف خارجة عن إرادة العاملين؟ تقل أجورهم؟ الأجر يجب ربطه بمؤشرات الاقتصاد من تضخم وأسعار وتكلفة المتطلبات الأساسية للحياة، ثم وماذا عن القطاعات غير المنتجة أو غير الهادفة للربح (المصالح الحكومية مثلًا)؟ كيف يربط أجر العاملين بالإنتاج في مصلحة السجل المدني أو القوات المسلحة؟
  • مادة 35: فيما عدا حالة التلبس، لا يجوز القبض على أحد ولا تفتيشه ولا حبسه ولا منعه من التنقل ولا تقييد حريته بأى قيد إلا بأمر قضائى مسبب يستلزمه التحقيق. ويجب أن يبلغ كل من تقيد حريته بأسباب ذلك كتابة خلال اثنتى عشرة ساعة .. إلى آخر المادة
  • لماذا يعطي الدستور للشرطة 12 ساعة مهلة قبل إبلاغ المحتجز بسبب احتجازه خصوصًا في ظل ما هو معروف من
  • تجاوزات الشرطة؟ لماذا لا تبلغه على الفور ما دام الاحتجاز قانونيًا؟
  • مادة 49: حرية إصدار الصحف وتملكها، بجميع أنواعها، مكفولة بمجرد الإخطار لكل شخص مصرى طبيعى أو اعتبارى. وينظم القانون إنشاء محطات البث الإذاعى والتليفزيونى ووسائط الإعلام الرقمى وغيرها.
  • ماهو تعريف “وسائط الإعلام الرقمي”؟ هل يشمل ذلك المواقع الإلكترونية والمدونات وشبكات التواصل الاجتماعي (facebook – twitter – …)؟ هل سيخضع الإنترنت لرقابة الحكومة؟
  • مادة 52: حرية إنشاء النقابات والاتحادات والتعاونيات مكفولة. وتكون لها الشخصية الاعتبارية، وتقوم على أساس ديمقراطى، وتمارس نشاطها بحرية، وتشارك فى خدمة المجتمع وفى رفع مستوى الكفاءة بين أعضائها والدفاع عن حقوقهم. ولا يجوز للسلطات حلها أو حل مجالس إدارتها إلا بحكم قضائى.
  • هل يوجد دستور في العالم يسمح بحل نقابة مهنية؟ ما ذنب أعضاء النقابة إذا أخطأ مجلس إدارتها؟ مثلا إذا ارتكب مجلس إدارة نقابة المهندسين جريمة أيا كانت كبيرة فهل المنطقي أن يحل مجلس إدارة النقابة أم تحل النقابة نفسها التي تضم نصف مليون مهندس؟ هل هذا مدخل لحل نقابات على غير هوى جماعات معينة؟
  • مادة 62: الرعاية الصحية حق لكل مواطن، تخصص له الدولة نسبة كافية من الناتج القومى. وتلتزم الدولة بتوفير خدمات الرعاية الصحية، والتأمين الصحى وفق نظام عادل عالى الجودة، ويكون ذلك بالمجان لغير القادرين. .. إلى آخر المادة
  • ما هو معيار تحديد “غير القادرين”؟ هل ستطالبنا المستشفيات بإثبات أننا غير قادرين؟ هل يهد الدستور كرامة المواطن ويضطره لاستخراج “شهادة فقر”؟ وماذا يفعل المواطن إذا كان غير قادر فعلًا ولكنه لا يستطيع إثبات ذلك للدولة؟
  • مادة 64: العمل حق وواجب وشرف لكل مواطن، تكفله الدولة على أساس مبادئ المساواة والعدالة وتكافؤ الفرص. ولا يجوز فرض أى عمل جبرًا إلا بمقتضى قانون. إلى آخر المادة.
  • كيف يبيح الدستور العمل الجبري حتى لو بالقانون؟ هذه المادة تنافي حقوق الإنسان، لا عمل بدون أجر إلا العمل التطوعي وليس الجبري، المادة تتيح للبرلمان سن قانون للسخرة.
  • مادة 70: ويحظر تشغيل الطفل، قبل تجاوزه سن الإلزام التعليمى، فى أعمال لا تناسب عمره، أو تمنع استمراره فى التعليم.
  • أي أن عمالة الأطفال تحت 12 سنة الآن قانونية بنص الدستور ما دامت في أعمال تناسب عمره ولا تمنع استمراره في التعليم (شروط مطاطية يمكن التحايل عليها بسهولة) وهي سابقة خطيرة ستؤدي لتسرب الأطفال من التعليم من أجل العمل خصوصًا في المناطق الأكثر فقرًا والتي كانت أولى بحماية الدولة لأطفالها والتركيز على تعليمهم.
  • مادة 76: العقوبة شخصية، ولا جريمة ولا عقوبة إلا بنص دستوري أو قانوني، ولا توقع عقوبة إلا بحكم قضائي، ولا عقاب إلا على الأفعال اللاحقة لتاريخ نفاذ القانون.
  • كيف تكون هناك جريمة وعقوبة بنص دستوري والدستور مجموعة مبادئ لا تحدد جرائم ولا عقوبات بل يحددها القانون؟ ولماذا أصر د. ياسر برهامي ومجموعة السلفيين على هذه الصياغة المخالفة للمنطق والتي اعترض عليها بشدة د. محمد سليم العوا و د. معتز عبد الفتاح والأستاذ عصام سلطان وغيرهم؟ هل يمكن استخدام هذه المادة لاستنباط أحكام جرائم وعقوبات من مادة الشريعة الإسلامية في الدستور مباشرة دون الحاجة لقوانين وبالتالي دون المرور على البرلمان؟
  • مادة 81: الحقوق والحريات اللصيقة بشخص المواطن لا تقبل تعطيلا ولا انتقاصا. ولا يجوز لأى قانون ينظم ممارسة الحقوق والحريات أن يقيدها بما يمس أصلها وجوهرها. وتُمارس الحقوق والحريات بما لا يتعارض مع المقومات الواردة فى باب الدولة والمجتمع بهذا الدستور.
  • الشرط الأخير “بما لا يتعارض مع المقومات الواردة فى باب الدولة والمجتمع” شرط مطاط لأنه يتعلق بمفاهيم مبهمة ضمها باب الدولة والمجتمع ولا يوجد لها تعريف محدد مثل “الأمن القومي” – “الطابع الأصيل للأسرة المصرية” – “النظام العام” وغيرها، من المفترض أن يكفل الدستور الحريات لكل المواطنين تحت كل الظروف، لكن هذه المادة يمكن استغلالها وتفسيرها لتمرير قوانين تقيد الكثير من الحريات في حالة وصول تيار معين (سلفون مثلا) للأغلبية البرلمانية.
  • مادة 82: تتكون السلطة التشريعية من مجلس النواب ومجلس الشورى. ويمارس كل منهما سلطاته على النحو المبين فى الدستور.
  • ما الفائدة من استمرار وجود مجلس الشورى خصوصًا أن 7% فقط من الناخبين شاركوا في انتخاباته الأخيرة بما يعني عدم رغبة الشعب في وجوده؟ كما أنه ليس له دور حقيقي بل سيؤدي وجوده لتعطيل صدور القوانين لاشتراط موافقته على القوانين التي يقرها مجلس النواب (مادة 102 و103)، ويمكن الاستغناء عنه والاكتفاء بمجلس النواب وتوفير الأموال المخصصة لميزانيته وانتخاباته ومكافآت أعضائه.
  • مادة 150: لرئيس الجمهورية أن يدعو الناخبين للاستفتاء فى المسائل المهمة التى تتصل بمصالح الدولة العليا ،
    ونتيجة الاستفتاء ملزمة لجميع سلطات.على انه اذا اشتملت دعوة الناخبين للاستفتاء على عدة موضوعات مختلفة فيجب إن يكون التصويت على كل منها على حده.
  • مادة شديدة الخطورة إذا ما وضعنا في الاعتبار إمكانية وصول أشخاص مختلفي التوجهات إلى مقعد الرئاسة في يوم ما، هذه المادة تتيح لرئيس الجمهورية القفز على كل مؤسسات الدولة (قضاء – جيش – برلمان – ..)، ماذا لو تولى السلطة رئيس ناصري واستفتى الشعب على تأميم ممتلكات الأغنياء؟ ماذا لو قرر رئيس أن يرسل الجيش للحرب دون موافقة قيادات القوات المسلحة ودعا الشعب للاستفتاء؟ لا تحكم على هذه المادة بانطباعك عن الرئيس الحالي فقد يأتي رئيس من اتجاه معاكس.
  • مادة 156: يشترط فيمن يعين رئيسا لمجلس الوزراء أو عضوا بالحكومة، أن يكون مصريًا، متمتعا بحقوقه المدنية والسياسية، بالغا من العمر ثلاثين سنة على الأقل، وألا يكون قد حمل جنسية دولة أخرى ولم يتنازل عنها خلال عام من بلوغه سن الثامنة عشر .. إلى آخر المادة.
  • دستور مصر يسمح بوجود وزراء ورئيس وزراء من أبوين غير مصريين (إسرائيليين مثلًا) ومتزوج من غير مصرية !!!
  • مادة 176: تشكل المحكمة الدستورية العليا من رئيس وعشر أعضاء، ويبين القانون الجهات والهيئات القضائية أو غيرها التى ترشحهم، وطريقة تعيينهم، والشروط الواجب توافرها فيهم ، ويصدر بتعيينهم قراراً من رئيس الجمهورية.
  • يؤسفني أن ينجر واضعو دستور مصر للانتقام من المحكمة الدستورية العليا (لسابق الخصومة معها) ويقلص عدد أعضاءها من 19 إلى 11 بدون سبب مفهوم (إلا إذا كان إقصاء المستشارة تهاني الجبالي تحديدًا والتي تقع في ترتيب الأقدمية رقم 12)!
  • مادة 198: القضاء العسكرى جهة قضائية مستقلة، يختص دون غيره بالفصل فى كافة الجرائم المتعلقة بالقوات المسلحة وضباطها وأفرادها. ولا يجوز محاكمة مدنى أمام القضاء العسكرى إلا فى الجرائم التى تضر بالقوات المسلحة؛ ويحدد القانون تلك الجرائم، ويبين اختصاصات القضاء العسكرى الأخرى. وأعضاء القضاء العسكرى مستقلون، غير قابلين للعزل، ويكون لهم كافة الضمانات والحقوق والواجبات المقررة لأعضاء الجهات القضائية.
  • كان يجب حظر محاكمة المدنيين أمام القضاء العسكري كأحد أهم المطالب أثناء العهد السابق وأثناء فترة الحكم العسكري، من حق المواطن أن يحاكم أمام قاضيه الطبيعي ويقصر اختصاص القضاء العسكري على العسكريين وفي القضايا المتعلقة بالقوات المسلحة فقط وليس على الإطلاق (لماذا يختص القضاء العسكري مثلا بقضية شيك بدون رصيد حرره ضابط لمعرض سيارات؟)، عبارة “الجرائم التي تضر بالقوات المسلحة” مطاطة جدًا، ماذا لو تشاجرت مع ضابط جيش صدم سيارتي؟ ألا يمكن اعتبار أني تسببت بضرر للقوات المسلحة (على الأقل بتعطيل الضابط عن الذهاب لوحدته) وأجد نفسي محال لمحاكمة عسكرية؟
  • مادة 202: يعين رئيس الجمهورية رؤساء الهيئات المستقلة والأجهزة الرقابية بعد موافقة مجلس الشورى، وذلك لمدة أربع سنوات قابلة للتجديد لمرة واحدة. ولا يعزلون إلا بموافقة أغلبية أعضاء المجلس، ويُحظر عليهم ما يحظر على الوزراء.
  • مزيد من السلطات في يد رئيس الجمهورية، وكيف تكون الهيئات “مستقلة” و”رقابية” ورئيسها معين من رئيس الجمهورية؟ لماذا لا يترك الاختيار للبرلمان أو توضع آلية ثابتة للاختيار تضمن عدم هيمنة الرئيس على الهيئات التي من المفترض أن تراقبه وتراقب أداء حكومته؟
  • مادة 219: مبادئ الشريعة الإسلامية تشمل أدلتها الكلية وقواعدها الأصولية والفقهية ومصادرها المعتبرة فى مذاهب أهل السنة والجماعة.
  • على عكس ما تعتقد الأغلبية فقد ضيقت هذه المادة على تطبيق الشريعة بعكس المادة الثانية التي فسرتها المحكمة الدستورية في حكم شهير تفسيرًا أشمل من هذا النص، هل أراد واضعو الدستور تقييد الشريعة أم تطبيقها؟ أم تم خداع التيار السلفي لحشد أنصاره لتأييد الدستور ظنًا منهم أنه انتصر لتطبيق الشريعة؟
  • مادة 229: … ويمثل العمال والفلاحون فى هذا المجلس بنسبة لا تقل عن خمسين بالمائة من عدد أعضائه. ويقصد بالعامل كل من يعمل لدى الغير مقابل أجر أو مرتب .. إلى آخر المادة
  • لا تعليق عندي على هذه المادة الهزلية إلا أن شخصية مثل أ.د. عمرو حمزاوي مثلًا يمكنه الترشح للبرلمان على مقعد العمال لأنه يعمل لدى الغير مقابل مرتب (!) بينما لا يستطيع عم صلاح الميكانيكي الترشح على نفس المقعد لأنه لا يعمل لدى الغير!
  • ملحوظة: ظهرت هذه المادة فجأة في المسودة النهائية وتمت صياغتها في الليلة السابقة للتصويت أي أنها لم تحظ بالـ300 ساعة من المناقشة (!) التي تحدث عنها المستشار الغرياني مثل باقي المواد.
  • مادة 231: تكون الانتخابات التشريعية التالية لإقرار الدستور بواقع ثلثي المقاعد لنظام القائمة، والثلث للنظام الفردي، ويحق للأحزاب والمستقلين الترشح فى كل منهما.
  • نفس النظام الذي حكمت المحكمة الدستورية ببطلانه وحلت بسببه مجلس الشعب ! إصرار واضح على الانتقام وتسييس الدستور والإصرار على الخطأ رغم أن تصحيحه سهل جدًا بتخصيص القوائم للأحزاب والفردي للمستقلين !!
  • مادة 232: تمنع قيادات الحزب الوطنى المنحل من ممارسة العمل السياسي والترشح للانتخابات الرئاسية والتشريعية لمدة عشر سنوات من تاريخ العمل بالدستور. ويقصد بالقيادات كل من كان في 25 يناير سنة 2011 عضوا بالأمانة العامة للحزب أو بلجنة السياسات أو بالمكتب السياسي أو كان عضوا بمجلس الشعب أو الشورى فى الفصلين التشريعيين السابقين على ثورة الخامس والعشرين من يناير.
  • مادة تفوح منها رائحة كريهة ! مادة انتقامية إقصائية، حزب الأغلبية يقصي منافسيه من الساحة بنص دستوري ويستثني شخصًا بعينه (شيخ الأزهر) في تعديل أخير لتتفادى انسحاب ممثله من اللجنة، مادة تحرم الشعب من حرية الاختيار (ألم ينتخب الكثيرون نوابًا سابقين من الحزب الوطني في الانتخابات الأخيرة؟) وتتجاهل في الوقت نفسه أن جماعة الإخوان نفسها شاركت بنصيب كبير في إفساد الحياة السياسية قبل 25 يناير بلعبها لدور المعارضة الأليفة التي تكمل “ديكور الديمقراطية” وتنسق مع الحزب الوطني قبل الترشح عن الدوائر البرلمانية!
  • ملحوظة: ظهرت هذه المادة أيضًا فجأة في المسودة النهائية وتمت صياغتها في الليلة السابقة للتصويت أي أنها لم تحظ بالـ300 ساعة من المناقشة (!) التي تحدث عنها المستشار الغرياني مثل باقي المواد.
  • ملحوظة: ورد في أكثر من موضع نص القسم الدستوري “أقسم بالله العظيم أن أحافظ مخلصًا على النظام الجمهورى، وأن أحترم الدستور والقانون، وأن أرعى مصالح الشعب رعاية كاملة، وأن أحافظ على استقلال الوطن وسلامة أراضيه” ووافق عليه السلفيون بالإجماع رغم أنهم أصروا على إضافة “بما لا يخالف شرع الله” عندما أقسموا في أول جلسة لمجلسي الشعب والشورى، فهل جد جديد لا نعرفه في “شرع الله” أم تراجعوا هم عن دينهم؟

هذا ما استطعت إحصاءه من الملاحظات في حدود معلوماتي القانونية المحدودة وسأحاول تحديث التدوينة كلما ظهرت ملحوظة جديدة، أُشهد الله أني بذلت ما في وسعي لدراسة مشروع الدستور بأمانة لا لهدف سياسي أو شخصي ولكن للشعور بالمسئولية تجاه هذا الوطن الذي ما زلت أتمنى أن يعيش فيه أبنائي.

“ولَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ”

 تحديث: تم نشر المقال في موقع “بيت الحوار

Category: Blog Posts | Tags: , , , | Leave a comment

السائرون نيامًا – سعد مكاوي

فوجئت بعد بحث سريع دافعه الفضول أن أسماء السلاطين الواردة في الرواية صحيحة وتواريخ جلوسهم على عرش مصر (أو بمعنى أدق لعبة الكراسي الموسيقية التي لعبوها على عرش مصر) هي أيضا صحيحة لدرجة الصدمة، فالسلطان الأشرف قانصوه جلس على “الأريكة السلطانية” لثلاثة أيام فقط، وكل من السلطان الظاهر بلباي والظاهر تمربغا لم تتعدى فترة حكمه الشهرين، هذه الأسماء الفخمة والألقاب السلطانية المبهرة لم تكن إلا تجميلا لوجوه مماليك مرتزقة كل هم الواحد منهم نهب خيرات البلاد واستنزاف أهلها المغلوبين على أمرهم عن طريق المنافسة غير الشريفة والقائمة على المؤامرات والدسائس للوصول إلى الأريكة السلطانية في مقابل البؤس والشقاء والسخرة والطاعون لأهل البلاد، لاحظ مثلا خطة السلطان الظاهر قانصوه لمواجهة إفلاس خزانة الدولة بعد 30 سنة من حروب الأشرف قايتباي ضد العثمانيين في الخارج وضد وباء الطاعون في الداخل، الحل الذي رآه هو ببساطة زيادة كل ما يمكن زيادته من ضرائب والتزام وجزية مقابل تقليل كل ما يمكن تقليله من إنفاق الدولة على الترع والجسور والكتاتيب !!!

ثم لا يكاد يستتب لأحد من أولئك السلاطين الأمر حتى يفاجأ بحاجبه يدخل عليه مذعورا ويخبره بأن أحد منافسيه على الحكم قد جمع العسكر وحاصر القلعة وبالتالي ليس للسلطان بد من التسليم والتوسل لدى السلطان الجديد ليتركه حيا، ثم يتكرر الأمر بعد فترة طالت أو قصرت مع السلطان الجديد فيحاصر أحد المماليك القلعة من جديد ويقفز على العرش، تطبيق عملي شديد البشاعة للمبدأ الذي أرساه السلطان قطز (الحكم لمن غلب) والذي أدخل البلاد في هذه الدوامة من حكم المماليك المتعاقبين لما يقارب 300 سنة.

هل يعيد التاريخ نفسه؟ هل يدخلنا مبدأ “الحكم لمن غلب” في دوامة جديدة من حكم مماليك جدد؟

Category: Book Reviews | Tags: , , | Leave a comment

الفيل الأزرق – أحمد مراد

لا أذكر أني انتهيت من قراءة رواية بهذا الحجم (حوالي 400 صفحة) في ليلتين فقط، الرواية ممتعة ومشوقة إلى أقصى حد لكنها تحتاج لقارئ قوي القلب وواسع الخيال، يمتاز أسلوب المؤلف بإيقاع “سينمائي” سريع ولغة غير متكلفة تطابق ما نتحدث به اليوم وتنتقل بسلاسة بين الحوارات العامية إلى السرد بلغة فصحى بليغة لا تجعل الملل يتسرب إليك ولا تترك لك فرصة لتفقد تركيزك، جائت الحوارات بين الشخصيات مركزة قصيرة المقاطع بدون “مونولوجات” طويلة وبدون استرسال في السرد خارج السياق ولا تركيز إلا على ما هو في صلب الأحداث.

المهم أيضا في الرواية هو الجهد الواضح جدا الذي بذله المؤلف في البحث والدراسة لعلم الطب النفسي حيث جاءت المصطلحات علمية وسليمة حتى أني يبحثت عن بعضها للتأكد فوجدتها صحيحة لدرجة تجعلك تشك أن الكاتب في الأصل طبيب (وهو ليس كذلك).

تمنحك هذه الرواية جرعة كبيرة من الخيال رغم قسوتها في بعض المراحل ولا يمكنك التنبؤ بما سيحدث في الصفحة التالية بل يصعب عليك تصديق ما تقرؤه بالفعل، سأبحث بالتأكيد عن روايات أخرى للكاتب.

Category: Book Reviews | Tags: , , | Leave a comment

دولة الخلافة الكونفدرالية

يعتبر حلم “إحياء دولة الخلافة” من أهم الأهداف التي يروج لها تيار الإسلام السياسي بمختلف فصائله وأكثرها شعبية في الشارع وجذبا للأصوات الانتخابية وللمؤيدين الحالمين بعودة العصر الذهبي حين كان “أمير المؤمنين” يضطجع في قصره على ضفاف نهر دجلة ويخاطب السحابة المارة فوقه قائلا: “أمطري حيث شئت فسوف يأتيني خراجك”.

غير أن القراءة المحايدة للتاريخ – وهي نادرة الوجود في ثقافتنا العربية للأسف – تثبت لنا أن هذا العصر الذهبي الذي صوروه لنا لم يكن ذهبًا خالصًا ولم تكن فيه الجنة موجودة على الأرض، فالخليفة الذي خاطب السحابة كما تنقل لنا الروايات (هارون الرشيد) كان يقتل الناس على الهوية (العلويين والبرامكة مثلا)، كما أن دولة الخلافة لم تكن سوى شكلًا من أشكال “الإمبراطوريات” السائدة في العالم في ذلك العصر وتحولت إلى “ملك عضوض” هدفه توسيع نفوذ الإمبراطور (الخليفة) بقدر الإمكان وجلب أكبر قدر ممكن من الخراج (الضرائب) إلى خزائنه التي ينفق منها كيف يشاء فإن كان صالحًا أنفقها في الخير وإن كان غير ذلك (وهم الأغلبية) يدفع الفقراء ثمن فساده ويزج بهم إلى حروب لا نهائية في بلاد بعيدة ليست كلها من أجل نشر الدين أو إعلاء كلمة الحق.

لم تخل عصور “دولة الخلافة” من ثورات وتمرد وانشقاقات وفتن مذهبية في مختلف أطرافها ولم تخل من تقاتل بين المسلمين وبعضهم لخلافات مذهبية أو سياسية أو لصراع على السلطة أو النفوذ، بل لم تخل أيضًا من استقواء بغير المسلمين ضد المنافسين من المسلمين، ومن يقرأ تاريخ أئمة الفقه والفكر الإسلامي مثل ابن حنبل وأبي حنيفة والبخاري والحلاج والطبري وابن رشد وكثيرين غيرهم يرى ما عانوه جميعهم من بطش وتنكيل من الحكام (الخلفاء وأعوانهم) بسبب إصرار الحاكم على تطويع الدين لموافقة رغباته الشخصية في البقاء على عرشه أو توسيع حدود ملكه ورفضه لأي فكر يجعل العامة يشككون في شرعية جلوسه على العرش وجلوس أبيه من قبله وابنه من بعده.

map كذلك لم تكن “دولة الخلافة” دولة واحدة موحدة إلا في القرن الأول الهجري، ولم يعرف العالم حاكمًا واحدًا يحكم كل بلاد المسلمين كما يتوهم مروجو أسطورة “العصر الذهبي” الحاليون (انظر الرسم المرفق)، فالأندلس كانت مقسمة بين دويلات كثيرة متناحرة ومتصارعة في أغلب الأحيان معظمها لا تزيد على حدود مدينة واحدة ولكل منها حاكم يسمي نفسه “أمير المؤمنين” ويدعو له خطباء المساجد على المنابر بالنصر على الأعداء! وكثير من الأقاليم كذلك استقلت وأقامت دويلات أخرى (فاطميون وسلاجقة ومرابطون وسامانيون وزنكية وأدراسة وغيرهم) تبادلت السيطرة على المدن الكبرى في شمال أفريقيا والشام والعراق وبلاد ما وراء النهر، كما قامت ممالك كبيرة في بلاد بعيدة لا تربطها بدولة الخلافة أية صلة (مثل إمبراطورية المغول المسلمين في الهند التي كان من أبرز إسهاماتها الحضارية ضريح تاج محل) ومثل عشرات الملايين في جنوب وجنوب شرق آسيا الذين لم “تفتح” بلادهم وإنما دخلوا في الإسلام طواعية ولم يكونوا يومًا تحت إمرة الخليفة المضطجع في قصره على ضفاف نهر دجلة.

ottomanempire1798-1923 أما دولة الخلافة العثمانية التي انتهت رسميا بإعلان أتاتورك قيام الجمهورية التركية عام 1923 فيعلم الجميع مدى فسادها واستبدادها وظلمها للأقاليم التي حكمتها واستغلت خيراتها لصالح الباب العالي في الأستانة حتى أن معظم الشعوب الأوربية التي ظلت لقرون تحت حكم العثمانيين (الصرب والبلغار والقبارصة والسلوفينيين وغيرهم) لم يدخلوا في الإسلام مما يثبت أن هدف الخليفة العثماني لم يكن نشر الإسلام بقدر ما كان توسيع نطاق نفوذه، كذلك تسببت الحقبة العثمانية في تخلف مصر والشام المنطقة العربية بشكل عام عن الحضارة التي كانت في أوج ازدهارها في أوربا أثناء عصر النهضة مما خلق الفجوة الحضارية الكبرى بيننا وبين الغرب لمدة تقترب من 300 عام إلى أن نزل الفرنسيون إلى سواحل الإسكندرية (1798م) مسلحين بالمدافع والبنادق ليقابلهم المصريون بالسيوف والرماح، حتى أن الدولة العثمانية نفسها لم تكن في أوج قوتها تمثل كل المسلمين بل فقط شرق البحر المتوسط والحجاز والعراق وبعض الموانئ الاستراتيجية في البحر الأحمر (انظر الخريطة المرفقة) حتى انهارت من الداخل وسميت في أواخر أيامها “رجل أوربا المريض” وفقدت معظم مناطق نفوذها وهزمت في الحرب العالمية الأولى وانتهت إلى حدود تركيا الحالية.

european_union_enlargement نخلص مما سبق إلى أن “الخلافة” في حد ذاتها ليست الحل وليست الغاية وإنما كانت نتاجًا طبيعيًا للظروف السياسية في العصور القديمة وكانت نظام حكم مماثل لما كانت عليه كل بلاد الدنيا في ذلك الوقت مع اختلاف المسميات، أما في عالم اليوم فقد تجاوز العالم عن فكرة الحاكم المطلق المحتكر للقرار واحتكم للدساتير والقوانين والمواثيق الدولية التي تنظم العلاقة بين مؤسسات الدولة الواحدة وبين الدول وبعضها، ولم تعد أحلام التوسع تراود حكام العالم بعد ما سالت دماء مئات الملايين من البشر في حروب طاحنة طالت العالم بأسره، ولم يعد من المجدي أن تتحد الشعوب قسرًا في كيان سياسي واحد رغم اختلافاتها العرقية واللغوية والثقافية خاصة بعد فشل تجارب الاتحاد السوفيتي والاتحاد اليوجوسلافي واتحاد تشيكوسلوفاكيا ومؤخرا السودان، بل أصبحت المصلحة المشتركة هي وسيلة التقارب والتحالف بين الدول مع الحفاظ على استقلال وسيادة كل دولة (Supranationalism)، وهو ما بدأته بعض دول أوربا الغربية منذ الخمسينات بإنشاء “السوق الأوربية المشتركة” التي مهدت لتوحيد التعريفة الجمركية والتعاون التجاري والمالي ثم تطور إلى “الاتحاد الأوربي” حيث أزيلت الحدود بين معظم الدول الأعضاء (باستثناء بريطانيا التي فضلت الحفاظ على خصوصيتها) وبدأ توحيد العملة وتم ضم أعضاء جدد بالتدريج حتى وصل إلى 27 دولة و6 دول أخرى مرشحة للانضمام إلى الاتحاد (انظر الخريطة المرفقة لتطور عضوية الاتحاد الأوربي).

اعتمدت تجربة الاتحاد الأوربي على فكرة الكونفدرالية (Confederation) وهي اتحاد دائم للدول ذات السيادة للعمل المشترك فيما بينها، فترفع جميع دول الاتحاد الأوربي علم الاتحاد بجانب علم الدولة بما يعني أنها جزء من اتحاد كونفدرالي لا يلغي هويتها وقوميتها وثقافتها الخاصة، فدول أوربا تختلف جذريا في الثقافة واللغة حتى تكاد لا تجد شعبين يتكلمان نفس اللغة، إلا أنها تتحد في المصالح المشتركة وتتكتل لمواجهة الكيانات العظمى في العالم دون أن تفقد كل دولة سيادتها على أرضها وحق شعبها في سن القوانين الملائمة لخصوصيته، حتى عندما عرض مشروع الدستور المشترك للاتحاد رفضته معظم الشعوب في استفتاءات عامة حتى لا تذوب هويتها داخل هذا الكيان العملاق وحتى لا تتكبل بقيود تشريعية قد تتعارض مع مصالحها.

border أصبح المواطن الأوربي أو السائح يتجول بين 27 دولة ويمر على الحدود – أو ما كان في الماضي حدودًا – دون أن يستوقفه أحد (أنظر الصورة المرفقة للحدود بين هولندا وبلجيكا)، وأصبحت البضائع تنتقل في يسر من دولة لأخرى دون جمارك ويتم تصديرها واستيرادها من مختلف المنافذ البحرية والبرية والجوية بنفس الشروط مما أدى لازدهار كبير في اقتصاد الدول الأعضاء، كل تلك المكاسب دون أن تتنازل دولة واحدة عن سيادتها أو ثقافتها أو خصوصية شعبها ودون أن يكون للاتحاد رئيس أو ملك أو حتى دستور مشترك.

فإذا أرادت شعوب منطقتنا أن تتوحد في كيان واحد فليكن نموذج الاتحاد الأوربي هو المثال الذي نسعى لتحقيقه ولتكن “الكونفدرالية” هي بديل “الخلافة” المعاصر والمواكب لعالم اليوم، فبدلًا من السعي خلف حلم أسطوري لم يكن له وجود فعلي في التاريخ ولا يمكن تحقيقه إلا بإسالة المزيد من الدماء لإرغام شعوب متباينة الثقافة والمقومات الاجتماعية والاقتصادية على الاندماج في كيان واحد – دكتاتوري بالضرورة – ومحكوم عليه بالفشل مقدمًا كما فشلت تجارب مماثلة (الاتحاد السوفيتي مثلًا)، فبالنظر إلى طريقة معاملة بعض الدول العربية لمواطني دول عربية أخرى خصوصًا في ما يتعلق بتأشبرات الدخول والإقامة أو العداوة المتبادلة والمعلنة أحيانًا بين شعوب وأنظمة عربية وشعوب وأنظمة عربية أخرى والاختلافات الجذرية في العادات والتقاليد وأسلوب المعيشة والثقافة بين هذه الشعوب فهل نتصور إمكانية أن يكون جميع هؤلاء مواطنين متساوين في الحقوق والواجبات داخل دولة واحدة؟

فلندع هذه الأحلام الساذجة ولنبني بدلًا من ذلك كيانًا اقتصاديًا يجمعنا ويحقق مصالحنا ويعود علينا بالنفع أولًا ثم نفكر في الانتقال إلى خطوة الكونفدرالية بما يتبعها من إزالة الحدود وتوحيد العملة، كيان دافعه الأساسي هو المصلحة المشتركة وليس الأيديولوجيا أو العصبية، كيان يضم من يرغب من الشعوب العربية في استفتاءات شعبية وربما يضم بعض الدول المجاورة (تركيا ودول حوض النيل والصحراء الكبرى وربما إيران في حالة سقوط نظام الحكم الديني فيها) ويملك مقومات هائلة حيث يتحكم في نسبة كبيرة من مصادر الطاقة وطرق التجارة والوجهات السياحية في العالم ويملك الطاقة البشرية والمال والمعرفة الكافية لتحقيق الازدهار للشعوب، وفي نفس الوقت يحافظ لكل شعب على خصوصيته الثقافية والاجتماعية ويحفظ له الاستقلال التشريعي عن بقية الدول بما يضمن عدم هيمنة الدول الأكثر تفوقًا (عسكريًا أو اقتصاديًا أو تكنولوجيًا) على الدول الأقل تفوقًا.

71273 أما داخل الدولة الواحدة فالنظام “الفيدرالي” (Federation) هو حل أمثل لمشكلة “المركزية” التي هي أصل البيروقراطية المصرية، فالنظام الفيدرالي يحمي اللامركزية ويضمن عدم سيطرة الدولة المركزية على تفاصيل حياة المواطنين اليومية ويجعل لكل إقليم داخل الدولة حكومته المحلية وأحيانًا قوانينه ونظامه الضريبي الخاص حسب ظروف كل إقليم ويتم انتخاب برلمان محلي وحاكم لكل إقليم ولا تتدخل الحكومة المركزية إلا فيما يخص القضايا الفيدرالية المتعلقة بسيادة الدولة أو الأمن القومي وكذلك السياسة الخارجية، وهو النظام المطبق بدرجات مختلفة في كثير من دول العالم مثل الأرجنتين – أستراليا – النمسا – بلجيكا – البرازيل – كندا – ألمانيا – الهند – ماليزيا – المكسيك – باكستان – روسيا – سويسرا – الإمارات – الولايات المتحدة – فنزويلا (انظر الخريطة المرفقة للأقاليم الفيدرالية في جمهورية ألمانيا الاتحادية).

تحديث: تم نشر المقال في موقع “بيت الحوار“.

Category: Blog Posts | Tags: , , , | Leave a comment