إزاي يبقى نيلنا ويجري لغيرنا؟

Hussein Articles

هل تغيرت نظرة المصرى لبلاده وتقييمه لها مقارنة بالدول الأخرى مع مرور الزمن وتغير الظروف؟ ما أعرفه أن المصري كان ومازال دائم الشكوى من أحوال بلاده ودائم المقارنة بينها وبين ما يراه في بلدان أخرى، الاختلاف إذًا هو في تلك البلدان، قديمًا كان المصري يسافر إلى أوروبا (بريطانيا وفرنسا تحديدًا بحكم العلاقة السياسية والثقافية في ذلك الزمن) وكان يرى في تلك المجتمعات الحضارة والتقدم والمدنية التي يفتقدها في مصر أو يراها في مستوى أقل، من أشهر أمثلة ذلك في الفن المصري هذه الأغنية للشيخ سيد درويش من كلمات بيرم التونسي، ما يراه بيرم هنا في لندن وباريس أنها “بلاد تمدين ونضافة وذوق ولطافة وحاجة تغيظ”، هذا إذًا ما كان ينقص مصر في ذلك الزمن، قيم المدنية والنظافة والعمل واحترام الخصوصية والسلوكيات الراقية.

أما بعد تحول وجهة السفر لأغلبية المصريين إلى ناحية الشرق أصبح ما يراه هناك ويفتقده في مصر هو الغنى والرفاهية والوفرة الاستهلاكية، أصبح المصري يقارن بين حياة مواطني دول الخليج المريحة الرغدة وبين حياة المواطن المصري القاسية، لا يمكن لمن يتجول في شوارع دبي أو الدوحة تجاهل المقارنة بين “ثقافة الوفرة” فيها وبين “ثقافة الزحام” في القاهرة والإسكندرية، من هنا ظهرت النبرة التي سادت لاحقًا في الثقافة المصرية والتي تتعجب من ضيق الحال في مصر وبدأ الحديث عن “ثروات مصر المنهوبة” وما إلى ذلك من المسكنات التي يريح بها المصري المعاصر ضميره بإرجاع سبب كل مشكلاته إلى الفساد كما في هذه الأغنية: إزاي يبقى نيلنا ويجري لغيرنا؟

لقد تغيرت المفاهيم تمامًا، بعد أن كان المصري قديمًا ينبهر بمدنية أوروبا وتنظيمها وحضارتها ويريد لبلاده أن تصبح كذلك، أصبح ينبهر باتساع شوارع الخليج ورفاهيته وسياراته الغالية ويريد لنفسه مثلها، كان المصري قديمًا يتساءل لماذا لا نملك في مصر حضارة الأوروبيين ونظافتهم ونظامهم فأصبح يتساءل لماذا لا نملك سيارات الخليجيين وفيلاتهم ومجوهراتهم، الفارق هنا أن المدنية والحضارة في أوروبا هي نتاج تعليم جيد وحركة تنوير وثقافة استمرت لقرون حتى أثمرت هذه النتيجة – لم يأتِ في أغنية بيرم التونسي أي ذكر للغنى أو الرفاهية في أوروبا بالمناسبة فلم يكن ذلك ما لفت نظره هناك – بينما ثراء مواطني الخليج هو نتاج الثروات الطبيعية المدفونة تحت أراضيهم، يدفع المواطن الأوروبي ثمن حضارة ومدنية بلاده من ضرائبه الناتجة عن عمله وإنتاجه بينما يتمتع المواطن الخليجي برغد العيش من ريع الثروات الطبيعية دون أن يساهم في صناعتها.

نحن نملك في مصر ما يؤهلنا للحاق بأوروبا بينما لا نملك ما يمكننا من اللحاق بالخليج، يمكننا إن طورنا تعليمنا وتوسعنا في التنوير والتثقيف أن ننشئ أجيالًا تستطيع النهوض بالوطن وإعادته إلى مساره الطبيعي الذي حاد كثيرًا عنه، ولكننا نصر على التطلع إلى النموذج الخليجي الذي لا يمكننا محاكاته بمواردنا الطبيعية الشحيحة وتعداد سكاننا المهول، لن تتفجر في أراضينا آبار بترول الخليج ولن تمطر علينا السماء ذهبًا، فأظن أنه كفانا تطلعًا للماديات ولنعد إلى التطلع للحضارة والمدنية، لنعد إلى الانبهار بالسلوك الحضاري بدلًا من السيارات الفارهة، ليكن هدفنا هو محاكاة التعليم الأوروبي بدلًا من محاكاة المولات، عندئذ فقط ستكون بلادنا هي بلاد التمدين والنضافة والذوق واللطافة، عندئذ فقط سيجري النيل لنا.

810 Total Views 2 Views Today
Husseinإزاي يبقى نيلنا ويجري لغيرنا؟