دولة الخلافة الكونفدرالية

Hussein Articles

يعتبر حلم “إحياء دولة الخلافة” من أهم الأهداف التي يروج لها تيار الإسلام السياسي بمختلف فصائله وأكثرها شعبية في الشارع وجذبا للأصوات الانتخابية وللمؤيدين الحالمين بعودة العصر الذهبي حين كان “أمير المؤمنين” يضطجع في قصره على ضفاف نهر دجلة ويخاطب السحابة المارة فوقه قائلا: “أمطري حيث شئت فسوف يأتيني خراجك”.

غير أن القراءة المحايدة للتاريخ – وهي نادرة الوجود في ثقافتنا العربية للأسف – تثبت لنا أن هذا العصر الذهبي الذي صوروه لنا لم يكن ذهبًا خالصًا ولم تكن فيه الجنة موجودة على الأرض، فالخليفة الذي خاطب السحابة كما تنقل لنا الروايات (هارون الرشيد) كان يقتل الناس على الهوية (العلويين والبرامكة مثلا)، كما أن دولة الخلافة لم تكن سوى شكلًا من أشكال “الإمبراطوريات” السائدة في العالم في ذلك العصر وتحولت إلى “ملك عضوض” هدفه توسيع نفوذ الإمبراطور (الخليفة) بقدر الإمكان وجلب أكبر قدر ممكن من الخراج (الضرائب) إلى خزائنه التي ينفق منها كيف يشاء فإن كان صالحًا أنفقها في الخير وإن كان غير ذلك (وهم الأغلبية) يدفع الفقراء ثمن فساده ويزج بهم إلى حروب لا نهائية في بلاد بعيدة ليست كلها من أجل نشر الدين أو إعلاء كلمة الحق.

لم تخل عصور “دولة الخلافة” من ثورات وتمرد وانشقاقات وفتن مذهبية في مختلف أطرافها ولم تخل من تقاتل بين المسلمين وبعضهم لخلافات مذهبية أو سياسية أو لصراع على السلطة أو النفوذ، بل لم تخل أيضًا من استقواء بغير المسلمين ضد المنافسين من المسلمين، ومن يقرأ تاريخ أئمة الفقه والفكر الإسلامي مثل ابن حنبل وأبي حنيفة والبخاري والحلاج والطبري وابن رشد وكثيرين غيرهم يرى ما عانوه جميعهم من بطش وتنكيل من الحكام (الخلفاء وأعوانهم) بسبب إصرار الحاكم على تطويع الدين لموافقة رغباته الشخصية في البقاء على عرشه أو توسيع حدود ملكه ورفضه لأي فكر يجعل العامة يشككون في شرعية جلوسه على العرش وجلوس أبيه من قبله وابنه من بعده.

كذلك لم تكن “دولة الخلافة” دولة واحدة موحدة إلا في القرن الأول الهجري، ولم يعرف العالم حاكمًا واحدًا يحكم كل بلاد المسلمين كما يتوهم مروجو أسطورة “العصر الذهبي” الحاليون (انظر الرسم المرفق)، فالأندلس كانت مقسمة بين دويلات كثيرة متناحرة ومتصارعة في أغلب الأحيان معظمها لا تزيد على حدود مدينة واحدة ولكل منها حاكم يسمي نفسه “أمير المؤمنين” ويدعو له خطباء المساجد على المنابر بالنصر على الأعداء! وكثير من الأقاليم كذلك استقلت وأقامت دويلات أخرى (فاطميون وسلاجقة ومرابطون وسامانيون وزنكية وأدراسة وغيرهم) تبادلت السيطرة على المدن الكبرى في شمال أفريقيا والشام والعراق وبلاد ما وراء النهر، كما قامت ممالك كبيرة في بلاد بعيدة لا تربطها بدولة الخلافة أية صلة (مثل إمبراطورية المغول المسلمين في الهند التي كان من أبرز إسهاماتها الحضارية ضريح تاج محل) ومثل عشرات الملايين في جنوب وجنوب شرق آسيا الذين لم “تفتح” بلادهم وإنما دخلوا في الإسلام طواعية ولم يكونوا يومًا تحت إمرة الخليفة المضطجع في قصره على ضفاف نهر دجلة.

أما دولة الخلافة العثمانية التي انتهت رسميا بإعلان أتاتورك قيام الجمهورية التركية عام 1923 فيعلم الجميع مدى فسادها واستبدادها وظلمها للأقاليم التي حكمتها واستغلت خيراتها لصالح الباب العالي في الأستانة حتى أن معظم الشعوب الأوربية التي ظلت لقرون تحت حكم العثمانيين (الصرب والبلغار والقبارصة والسلوفينيين وغيرهم) لم يدخلوا في الإسلام مما يثبت أن هدف الخليفة العثماني لم يكن نشر الإسلام بقدر ما كان توسيع نطاق نفوذه، كذلك تسببت الحقبة العثمانية في تخلف مصر والشام المنطقة العربية بشكل عام عن الحضارة التي كانت في أوج ازدهارها في أوربا أثناء عصر النهضة مما خلق الفجوة الحضارية الكبرى بيننا وبين الغرب لمدة تقترب من 300 عام إلى أن نزل الفرنسيون إلى سواحل الإسكندرية (1798م) مسلحين بالمدافع والبنادق ليقابلهم المصريون بالسيوف والرماح، حتى أن الدولة العثمانية نفسها لم تكن في أوج قوتها تمثل كل المسلمين بل فقط شرق البحر المتوسط والحجاز والعراق وبعض الموانئ الاستراتيجية في البحر الأحمر (انظر الخريطة المرفقة) حتى انهارت من الداخل وسميت في أواخر أيامها “رجل أوربا المريض” وفقدت معظم مناطق نفوذها وهزمت في الحرب العالمية الأولى وانتهت إلى حدود تركيا الحالية.

نخلص مما سبق إلى أن “الخلافة” في حد ذاتها ليست الحل وليست الغاية وإنما كانت نتاجًا طبيعيًا للظروف السياسية في العصور القديمة وكانت نظام حكم مماثل لما كانت عليه كل بلاد الدنيا في ذلك الوقت مع اختلاف المسميات، أما في عالم اليوم فقد تجاوز العالم عن فكرة الحاكم المطلق المحتكر للقرار واحتكم للدساتير والقوانين والمواثيق الدولية التي تنظم العلاقة بين مؤسسات الدولة الواحدة وبين الدول وبعضها، ولم تعد أحلام التوسع تراود حكام العالم بعد ما سالت دماء مئات الملايين من البشر في حروب طاحنة طالت العالم بأسره، ولم يعد من المجدي أن تتحد الشعوب قسرًا في كيان سياسي واحد رغم اختلافاتها العرقية واللغوية والثقافية خاصة بعد فشل تجارب الاتحاد السوفيتي والاتحاد اليوجوسلافي واتحاد تشيكوسلوفاكيا ومؤخرا السودان، بل أصبحت المصلحة المشتركة هي وسيلة التقارب والتحالف بين الدول مع الحفاظ على استقلال وسيادة كل دولة (Supranationalism)، وهو ما بدأته بعض دول أوربا الغربية منذ الخمسينات بإنشاء “السوق الأوربية المشتركة” التي مهدت لتوحيد التعريفة الجمركية والتعاون التجاري والمالي ثم تطور إلى “الاتحاد الأوربي” حيث أزيلت الحدود بين معظم الدول الأعضاء (باستثناء بريطانيا التي فضلت الحفاظ على خصوصيتها) وبدأ توحيد العملة وتم ضم أعضاء جدد بالتدريج حتى وصل إلى 27 دولة و6 دول أخرى مرشحة للانضمام إلى الاتحاد (انظر الخريطة المرفقة لتطور عضوية الاتحاد الأوربي).

اعتمدت تجربة الاتحاد الأوربي على فكرة الكونفدرالية (Confederation) وهي اتحاد دائم للدول ذات السيادة للعمل المشترك فيما بينها، فترفع جميع دول الاتحاد الأوربي علم الاتحاد بجانب علم الدولة بما يعني أنها جزء من اتحاد كونفدرالي لا يلغي هويتها وقوميتها وثقافتها الخاصة، فدول أوربا تختلف جذريا في الثقافة واللغة حتى تكاد لا تجد شعبين يتكلمان نفس اللغة، إلا أنها تتحد في المصالح المشتركة وتتكتل لمواجهة الكيانات العظمى في العالم دون أن تفقد كل دولة سيادتها على أرضها وحق شعبها في سن القوانين الملائمة لخصوصيته، حتى عندما عرض مشروع الدستور المشترك للاتحاد رفضته معظم الشعوب في استفتاءات عامة حتى لا تذوب هويتها داخل هذا الكيان العملاق وحتى لا تتكبل بقيود تشريعية قد تتعارض مع مصالحها.

أصبح المواطن الأوربي أو السائح يتجول بين 27 دولة ويمر على الحدود – أو ما كان في الماضي حدودًا – دون أن يستوقفه أحد (أنظر الصورة المرفقة للحدود بين هولندا وبلجيكا)، وأصبحت البضائع تنتقل في يسر من دولة لأخرى دون جمارك ويتم تصديرها واستيرادها من مختلف المنافذ البحرية والبرية والجوية بنفس الشروط مما أدى لازدهار كبير في اقتصاد الدول الأعضاء، كل تلك المكاسب دون أن تتنازل دولة واحدة عن سيادتها أو ثقافتها أو خصوصية شعبها ودون أن يكون للاتحاد رئيس أو ملك أو حتى دستور مشترك.

فإذا أرادت شعوب منطقتنا أن تتوحد في كيان واحد فليكن نموذج الاتحاد الأوربي هو المثال الذي نسعى لتحقيقه ولتكن “الكونفدرالية” هي بديل “الخلافة” المعاصر والمواكب لعالم اليوم، فبدلًا من السعي خلف حلم أسطوري لم يكن له وجود فعلي في التاريخ ولا يمكن تحقيقه إلا بإسالة المزيد من الدماء لإرغام شعوب متباينة الثقافة والمقومات الاجتماعية والاقتصادية على الاندماج في كيان واحد – دكتاتوري بالضرورة – ومحكوم عليه بالفشل مقدمًا كما فشلت تجارب مماثلة (الاتحاد السوفيتي مثلًا)، فبالنظر إلى طريقة معاملة بعض الدول العربية لمواطني دول عربية أخرى خصوصًا في ما يتعلق بتأشبرات الدخول والإقامة أو العداوة المتبادلة والمعلنة أحيانًا بين شعوب وأنظمة عربية وشعوب وأنظمة عربية أخرى والاختلافات الجذرية في العادات والتقاليد وأسلوب المعيشة والثقافة بين هذه الشعوب فهل نتصور إمكانية أن يكون جميع هؤلاء مواطنين متساوين في الحقوق والواجبات داخل دولة واحدة؟

فلندع هذه الأحلام الساذجة ولنبني بدلًا من ذلك كيانًا اقتصاديًا يجمعنا ويحقق مصالحنا ويعود علينا بالنفع أولًا ثم نفكر في الانتقال إلى خطوة الكونفدرالية بما يتبعها من إزالة الحدود وتوحيد العملة، كيان دافعه الأساسي هو المصلحة المشتركة وليس الأيديولوجيا أو العصبية، كيان يضم من يرغب من الشعوب العربية في استفتاءات شعبية وربما يضم بعض الدول المجاورة (تركيا ودول حوض النيل والصحراء الكبرى وربما إيران في حالة سقوط نظام الحكم الديني فيها) ويملك مقومات هائلة حيث يتحكم في نسبة كبيرة من مصادر الطاقة وطرق التجارة والوجهات السياحية في العالم ويملك الطاقة البشرية والمال والمعرفة الكافية لتحقيق الازدهار للشعوب، وفي نفس الوقت يحافظ لكل شعب على خصوصيته الثقافية والاجتماعية ويحفظ له الاستقلال التشريعي عن بقية الدول بما يضمن عدم هيمنة الدول الأكثر تفوقًا (عسكريًا أو اقتصاديًا أو تكنولوجيًا) على الدول الأقل تفوقًا.

أما داخل الدولة الواحدة فالنظام “الفيدرالي” (Federation) هو حل أمثل لمشكلة “المركزية” التي هي أصل البيروقراطية المصرية، فالنظام الفيدرالي يحمي اللامركزية ويضمن عدم سيطرة الدولة المركزية على تفاصيل حياة المواطنين اليومية ويجعل لكل إقليم داخل الدولة حكومته المحلية وأحيانًا قوانينه ونظامه الضريبي الخاص حسب ظروف كل إقليم ويتم انتخاب برلمان محلي وحاكم لكل إقليم ولا تتدخل الحكومة المركزية إلا فيما يخص القضايا الفيدرالية المتعلقة بسيادة الدولة أو الأمن القومي وكذلك السياسة الخارجية، وهو النظام المطبق بدرجات مختلفة في كثير من دول العالم مثل الأرجنتين – أستراليا – النمسا – بلجيكا – البرازيل – كندا – ألمانيا – الهند – ماليزيا – المكسيك – باكستان – روسيا – سويسرا – الإمارات – الولايات المتحدة – فنزويلا (انظر الخريطة المرفقة للأقاليم الفيدرالية في جمهورية ألمانيا الاتحادية).

تحديث: تم نشر المقال في موقع “بيت الحوار“.

1397 Total Views 2 Views Today
Husseinدولة الخلافة الكونفدرالية