لا للتطبيع

Hussein Articles

مشهد 1:

دبي – 3 رمضان – السادسة مساء:

عائدًا من العمل في موعدي المعتاد أنعطف بالسيارة إلى الشارع الفرعي المؤدي للمدخل الخلفي للبناية التي أقيم بها، شارع ذو اتجاه واحد ولا يسمح إلا بعبور سيارة واحدة، أتجمد للحظة ويتوقف عقلي عن استيعاب الموقف لثانيتين على الأقل، أنتبه بسرعة وأتبيَن ما يحدث، إنها حقًا سيارة قادمة في مواجهتي من الطرف الآخر للشارع، نعم هذا الشخص يقود سيارته في الاتجاه المعاكس، يحدث ذلك فعلًا إذًا ولكني كنت قد نسيت أنه يوجد احتمال لذلك، توقفت وأشرت للشخص المخطئ الذي بدا عليه أنه لم يكن يعلم أن الطريق ذو اتجاه واحد أو التبس عليه الأمر – رغم وجود العلامات الإرشادية – فاعتذر بسرعة وعاد للخلف ثم انحرف في شارع جانبي، أكملت طريقي وعدت للمنزل ولم يفارقني الاندهاش بعد، لم يكن قيادة شخص ما في الاتجاه المعاكس هو ما يدهشني ولكن عدم توقعي لتصرف مثل ذلك تعودته ورأيته وعانيت منه لما يزيد عن خمسة عشر من الأعوام قدت فيها سيارة في مصر، اندهشت لأني اندمجت في “النظام” وتأقلمت عليه لدرجة أنستني أنه من المحتمل أن يرتكب البشر بعض الأخطاء ولو دون تعمَد.

مشهد 2:

الإسكندرية – 8 رمضان – السادسة مساء:

عالقًا في زحام ما قبل الإفطار على كورنيش المنشية المزدحم أصلًا بطبعه في جميع الأوقات أحاول جاهدًا الانعطاف إلى الشارع الجانبي ذي الحارتين المؤدي للداخل، طوفان من سيارات الميكروباص قادمة من الداخل متجهة للكورنيش، لا أحد يترك لي فرصة المرور، جميع السيارات قادمة في مواجهتي وأنا الوحيد الذي يريد الدخول في الاتجاه الآخر، أريد فقط أن أصف السيارة في مكان خالِ ألمحه عن بعد ولا أستطيع الوصول إليه، أحاول مجددًا مرةً بعد مرة حتى أتمكن من الدخول في الشارع بعد الكثير من المجهود والكثير من المغامرة والكثير من الوقت، وهنا تصيبني الصدمة، فما أن دلفت إلى الشارع حتى لمحت على جانبي الأيسر العلامة المرورية الدالَة بوضوح على أن الشارع ذو اتجاه واحد، الاتجاه الذي أنا فيه! لقد كانت كل هذه السيارات قادمة في الاتجاه المعاكس مخالفةً للعلامة الواضحة على أول الشارع ومع ذلك لم يتركوا لي فرصة الدخول – رغم أني القادم في الاتجاه الصحيح – إلا بعد أن غامرت بخسارة السيارة نفسها و”حشرتها” بكل ما حصلت عليه من مهارات طوال عقد ونصف لأتمكن من فرض وجودي في الشارع.

لماذا أصبحت الفوضى هي القاعدة؟ ولماذا انعكست الموازين فأصبح الحق باطلًا والباطل حقًا؟

الإجابة: لأننا تأقلمنا على الباطل وتعايشنا معه وتقبلناه فلم يعد يفاجئنا ولم يعد حتى يلفت انتباهنا، حدث “تطبيع” مع الباطل فكأنما صار صديقنا أو فردًا من عائلتنا لا نستغرب وجوده بيننا ونتعامل معه كجزء من روتين حياتنا اليومية.

إن اعتيادك على منظر القمامة في الشارع أو فوضى البناء العشوائي أو هذا السيرك المروري لا يجعل كل ذلك منظرًا عاديًا، ستدرك ذلك حين تذهب إلى مكان لا تتراكم فيه القمامة فتتذكر فجأة أن مكان القمامة الطبيعي ليس الشارع، سيصدمك أنك تفاجأت بهذه الحقيقة البديهية، لا يتعايش كل البشر في العالم مع العشوائية والقبح والفوضى كما نفعل نحن في العالم الثالث، فعندما يكون الصواب هو القاعدة يظهر الخطأ بوضوح ويستنكره الجميع، لا يتجاهلونه ولا يتعايشون معه.

حكى لي أحد أصدقائي عن تجربته في قيادة سيارة في برلين التي زارها لأول مرة وكيف أنه أخطأ في مرة لعدم معرفته بالمدينة وانشغاله بالبحث في الخريطة فأوقف السيارة في الإشارة المرورية متداوزا خط عبور المشاه بنصف متر على الأكثر، يصف لي الصديق كيف عاتبته نظرات المارة العابرين القاسية لأنه كان بالطبع المخالف الوحيد والمعتدي الوحيد على حقهم في المرور، كان محظوظًا أن لم تمر سيارة الشرطة ولكن قام الشعب بدور الشرطة في الإصلاح والتهذيب، لم يكرر صديقي هذا الخطأ “الفادح” بالطبع فليس أصعب من أن تكون المخطئ الوحيد وسط هذا النظام الصارم.

لا يا صديقي، الباطل ليس شيئًا معتادًا ولو بدا كذلك، يظل الباطل باطلًا ولو نسي المجتمع أنه باطل، إن تكرار الكذبة ملايين المرات قد يجعلها تبدو كحقيقة، ولكنه لن يحوَلها أبدًا إلى حقيقة، نحن من نعطي للباطل صفة الحق عندما نتعايش معه ونتقبله فيصبح هو القاعدة ولا يمكنك حينها تغييره بل ولا يمكنك حتى الجهر بأنه باطل.

لا للتطبيع مع القبح، ليس القبح طبيعيًا، القبح قبيح، لا تتنازل ولا تقبل التشكيك في هذه الحقيقة البديهية.

831 Total Views 3 Views Today
Husseinلا للتطبيع