لماذا عمرو موسى

Hussein Articles Leave a Comment

اتخذت قرار انتخاب عمرو موسى رئيسا للجمهورية مؤخرا .. ومنذ أن تغلبت على خوفي من الإرهاب النفسي السائد في “الفضاء الإلكتروني” وأعلنت اختياري بوضوح ظهر استغراب الأصدقاء واندهاشهم ولومهم الضمني أحيانا والصريح أحيانا أخرى حتى تطور الأمر للسباب المباشر والاتهام بخيانة “دماء الشهداء” وما إلى ذلك من التهم “المعلبة” الجاهزة، لذلك سأوضح كيف انتهيت إلى هذا القرار، لا ترويجا للمرشح عمرو موسى ولكن دعوة للقراءة الموضوعية للمعطيات ولاستخدام المنطق للوصول إلى ما يرضي الضمير

مع تنحي حسني مبارك لم أكن أتصور أن يأتي يوم أؤيد فيه عمرو موسى رئيسا للجمهورية وذلك لسببين رئيسيين

الأول: توفر البديل الكفء الذي تعلقت به أنظار الثوار وقتها وهو د. محمد البرادعي

الثاني: لم نكن قد دخلنا بعد في دوامة المرحلة الانتقالية بما فيها من تخبط وصراعات واستقطاب ديني

أما وقد تبدلت الظروف بشكل لم يتوقعه أحد .. فالدكتور البرادعي أراد أن يمارس لعبة نظيفة واضحة القواعد ورأى أنه لا يمكنه فعل ذلك في ملعب غير مطابق لأي مواصفات منطقية ولا يخضع لأي قواعد .. فاختار الانسحاب وتركنا نبحث عن البديل “الأقل ضررا” وليس عن الرئيس المثالي

مع تزايد حالة الاستقطاب الديني الغير مسبوقة بداية من الاستفتاء مرورا بانتخابات الشعب والشورى ووصولا إلى انتخابات الرئاسة .. ومع تزايد الصراع بين القوتين الكبيرتين على الساحة السياسية (السلطة العسكرية الحاكمة والتيارات الأصولية المتطلعة للحكم) ومع تزايد انفصال الثوار عن الواقع وخروجهم تدريجيا من معادلة القوى المؤثرة في الشارع .. ظهرت الحاجة لرئيس يملك من الحنكة السياسية ما يجعله قادرا على الموازنة بين القوتين الكبيرتين (وبالتالي يشترط فيه ألا يكون منتميا أو منحازا أو مدينا لإحداهما على حساب الأخرى) ليحمي مصر من الوقوع في فخ الدولة الدينية ويخرجها من دوامة الدولة العسكرية التي تحكمها منذ 60 عاما .. رئيس يحقق أهداف الثورة التي فشل الثوار في تحقيقها لقلة وعيهم السياسي .. رئيس يحمل “الشرعية” التي يفتقدها المجلس العسكري ويمتلك ثقة الشارع التي فقدها الإخوان .. رئيس ينهي حالة “اللا دولة” التي عاشتها مصر منذ 28 يناير 2011 وما زالت تعيشها حتى اليوم ويبدأ بناء “الجمهورية الثانية” التي أرادها المصريون عندما خرجوا يطالبون بإسقاط نظام الجمهورية الأولى

لا يمكن أن يحقق هذا التوازن رئيس ينتمي لأحد المعسكرين (ينتمي للتيار الديني كل من ابو الفتوح ومحمد مرسي وسليم العوا وينتمي للتيار العسكري أحمد شفيق) .. فالعداوة بين المعسكرين ظاهرة وعلنية الآن وانتخاب رئيس من أحد المعسكرين سيضطر الكتلة الأخرى إلى المواجهة وسيتطور الأمر بصراع سياسي لا نهاية له

أما من ناحية “البرنامج الانتخابي” فمن حيث المبدأ لا يوجد برنامج متكامل ومثالي يحمل أرقاما محددة وخطوات تنفيذية واضحة وبرنامج زمني للنتائج المرجوة .. لكن هناك 4 مرشحين قدموا ما يمكن  تسميته مجازا بالبرنامج الانتخابي وهم بترتيب الجدية والأفضلية

برنامج عمرو موسى

برنامج خالد علي

برنامج عبد المنعم أبو الفتوح

برنامج حمدين صباحي

بينما لم يقدم باقي المرشحين برامج من الأساس .. ولا أعرف كيف لناخب عاقل راشد أن ينتخب شخصا لم يقدم له برنامجا تفصيليا لما سيفعله (أو يريد أن يفعله) خلال توليه الرئاسة .. تتحدث جماعة الإخوان مثلا عن “أسطورة هلامية” سموها “مشروع النهضة” ويروجون لها ويستخدمونها كشعار لحملتهم بينما أتحدى أيا منهم أن يكون قد قرأ هذا المشروع أو اطلع عليه أو يعرف أين هو

هذا من حيث المبدأ .. أما من ناحية المناقشة الموضوعية للبرامج الأربعة المطروحة نجد الفرق الواضح في المجهود المبذول في برنامج عمرو موسى (80 صفحة تحتوي كافة التفاصيل والخطوات التنفيذية) وبين باقي البرامج التي لا تتعدى بضع صفحات معظمها كلام مرسل ومثاليات متفق عليها دون إجراءات تنفيذية واضحة

ينفرد عمرو موسى بباب “برنامج الـ100 يوم الأولى” الذي يحتوي الإجراءات العاجلة قصيرة الأجل لحل المشكلات الملحة التي يعاني منها الشعب .. وهنا يظهر الفارق بين رؤية “السياسي المحترف ورجل الدولة” وبين رؤية “المرشح ذو النوايا الطيبة” .. يعرف رجل الدولة الأولويات ويدرك أبعادها ويعرف حدود صلاحيات رئيس الجمهورية ومهام وظيفته

مثال: يعد د. عبد المنعم أبو الفتوح بزيادة ميزانية التعليم إلى 25% من الموازنة العامة للدولة .. بينما يتحدث د. حازم الببلاوي في كتابه عن أن وزير المالية لا يملك أكثر من 45% من الموازنة العامة للإنفاق على كافة قطاعات الدولة .. فلا يعقل أن يكون أكثر من نصفها للتعليم وحده .. بينما يتحدث عمرو موسى عن زيادة نسبة الإنفاق على التعليم تدريجيا حتى الوصول إلى المعدلات العالمية وهي 20-25% من حجم الإنفاق الحكومي (وليس الموازنة العامة) والفارق كبير .. رجل الدولة يعرف دلالات الأرقام والفروق بين المصطلحات

ملحوظة: وردت كلمة “التعليم في برنامج عمرو موسى 103 مرات ولا يخلو منها فصل من الفصول .. فالرجل يعتبر التعليم هو العامل المشترك بين مختلف القطاعات ويرى أهمية الإصلاح “الجذري” في المنظومة التعليمية وليس مجرد إضافة مادة هنا أو كتاب هناك

يتحدث عمرو موسى عن اتباع المعايير التي يطبقها الاتحاد الأوربي كشرط للتقدم لعضويته .. هذه المعايير ثبت نجاحها في كثير من الدول الخارجة من حالة الدولة الفاشلة والفاسدة حتى وصلت إلى مستوى دول الاتحاد الأوربي ومعاييره الصارمة اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا

رؤية عمرو موسى واضحة ومحددة ولا يتلاعب بالألفاظ ولا يستخدم التعبيرات المطاطة .. فمثلا رؤيته لحرية الإبداع تتلخص في جملة قاطعة: “تحرير اﻟﻌﻤﻞ اﻹﺑﺪاﻋﻲ الخلاق ﻣﻦ اﻟﻘﻴﻮد اﻟﺮﻗﺎﺑﻴﺔ اﻟﺒﺎﻟﻴﺔ” .. هكذا فقط دون مواربة أو استثناءات

يملك عمرو موسى قبولا واضحا في الدوائر الإقليمية وفي الدوائر العالمية نتيجة عمله الدبلوماسي الطويل .. بينما وصول بعض المرشحين الآخرين للرئاسة (سواء المنتمين تنظيميا أو فكريا لجماعة الإخوان أو أصحاب الفكر القومي واليساري) سيتسبب في توتر شديد لعلاقات مصر بمعظم الدول العربية والدول المؤثرة إقليميا وعالميا

وماذا فعل عمرو موسى في الجامعة العربية؟

وماذا فعل سلفه عصمت عبد المجيد أو خلفه نبيل العربي؟ الجامعة العربية ليست جهة تنفيذية وليست لها سلطة فعلية على الدول الأعضاء وإنما هي منظمة دبلوماسية .. ومعروف أن الدول العربية لم ولن تتفق ولكل دولة حساباتها السياسية .. ربما حقق الرجل خبرة شخصية وعلاقات قوية بالسياسيين الكبار في العالم بصفته الأمين العام للجامعة العربية

هل عمرو موسى فلول؟

تولى عمرو موسى وزارة الخارجية (وليس الداخلية أو البترول أو الإعلام أو الاستثمار) من 1991 حتى 2001 وعرف عنه الكفاءة .. ولم يكن حكم مبارك “بهذا السوء” وقتها (ينقسم عهد مبارك إلى 3 حقب كانت الحقبة الأخيرة هي أسوءهم) .. كما عمل الكثير من الشخصيات الشريفة في وزارات مبارك في هذه الفترة مثل حسب الله الكفراوي وأحمد جويلي وغيرهم ثم تم التخلص منهم جميعا (ومعهم عمرو موسى) مع بداية ظهور جمال مبارك في الصورة ومعه العصابة التي كانت حوله .. ويعرف الجميع أن مبارك تخلص من عمرو موسى بعد تزايد شعبيته في الشارع والخوف من تطورها إلى حد المطالبة بتوليه للحكم

ثم دعني أسألك أنا: بأي منطق أصبح عصام شرف (عضو الحزب الوطني ووزير مبارك وعضو لجنة سياسات جمال مبارك) رئيس وزراء الثورة ولم يتهمه أحد بأنه “فلول” .. بينما عمرو موسى (الذي لم يكن يوما عضوا في الحزب الوطني وانفصل عن النظام تماما منذ 11 عاما) يقال أنه فلول؟

هل سمعت عن تورط عمرو موسى في دم مواطن مصري؟

 هل  سمعت عن تورط  عمرو موسى في “تسقيع” أراضي أو عمولات أسلحة أو صفقات بيزنس من أي نوع؟

هل شارك عمرو موسى في تزوير انتخابات أو ترشح لأي دورة برلمانية؟

هل تساوي بين عمرو موسى وبين شخصيات مثل أحمد عز وصفوت الشريف وكمال الشاذلي وجمال مبارك؟

ملحوظة: يعيب عمرو موسى كبر السن وهو أكبر المرشحين سنا .. ولكن يحسب له لياقته الذهنية الواضحة ومظهره الصحي كما أنه تعهد بأنه يسعى للحكم لفترة رئاسية واحدة

الخلاصة: عمرو موسى رئيس لكل المصريين .. غير منحاز لطرف معين وليس مضطرا للخضوع لأي طرف لأنه غير مدين لأحد وليس على رأسه “بطحة” .. إذا كنت تبحث عن الرئيس المثالي والقائد الملهم فلا تضيع وقتك لأنه غير موجود .. أما إذا كنت تريد أفضل البدائل المطروحة وأقدرها على العبور بمصر من المرحلة الانتقالية إلى  “الجمهورية الثانية” فانتخب عمرو موسى أو دلني على بديل أفضل

1032 Total Views 3 Views Today
Husseinلماذا عمرو موسى

Leave a Reply