كومبارس متكلم – حسين مهران

Hussein Articles, Blog Posts, Book Reviews

وبرغم أن لكل فرد من الكومبارس هؤلاء حياة كاملة قائمة بذاتها، وبرغم أن حياة بعضهم ربما تتقاطع وتتشابك مع حياة البعض الآخر، إلا أن تأثير أي منهم كفرد في أحداث المشهد شبه منعدم، فليس للكومبارس أي دور في الأحداث إلا كمجموعات، لا يأثّرون في الأحداث إلا عندما يصبحون كتلة واحدة، كل ما يمثّلونه هو عدد ما، فيزيد تأثيرهم أو يقل كلما زاد أو قلّ العدد الذي يمثلونه، وكأنهم – مجتمعين – ممثل واحد له دافع واحد ورد فعل واحد وملامح واحدة، يحرّكه ويتحكم في انفعالاته وتصرفاته عقل واحد، عقل ليس من الكومبارس“.

.

تعود قصتي مع الكتابة إلى شتاء 1987 عندما استدعتني “مس منيرة” مدرسة اللغة العربية للصف الأول الإعدادي ومدرس آخر كان يعرف والدي لكي تعاتبني على موضوع التعبير الذي قدمته إليها – وكان عن سيناء – والذي كانت على يقين كامل بأن من كتبه ليس أنا ولكن والدي (كان والدي رحمه الله عالمًا وأستاذًا جامعيًا مشهورًا بمؤلفاته ذات اللغة العربية السليمة والبليغة)، واستمر الاثنان طوال الجلسة القصيرة في إقناعي بالاعتماد على نفسي وفي محاولة تعليمي مبادئ الكتابة الإبداعية المطلوبة لإخراج موضوع تعبير يحوز إعجاب الأستاذة ويضمن لي درجة جيدة، كنت في الحقيقة مصدومًا من ذلك اليقين العجيب عندهما بأنني لست كاتب الموضوع الذي لم أكن على أي حال أعتقد أنه خارق للعادة للدرجة التي جعل الأستاذة تتيقن من أني لست صاحبه، وكنت في ذات الوقت متعجبًا من اعتقادهما بأنني يمكن أن أطلب من أبي – الذي لم يتدخل قط فيما يخص دراستي أو مذاكرتي أو اختياراتي في الحياة بشكل عام حتى توفاه الله – أن يكتب لي موضوع تعبير! لماذا يعتدقان أن الأمر بتلك الأهمية؟ إنها مجرد ثلاث صفحات كتبتها دون أي صعوبة! لماذا يحتاج المرء لمساعدة أبيه لكتابة ثلاث صفحات؟! لم تقتنع الأستاذة على أي حال بتأكيداتي ولم تكف عن نصائحها لي بالاعتماد على نفسي حتى تيقنت بنفسها حين كتبت أمامها موضوعًا آخر في امتحان منتصف العام.

.

كنت – وما زلت – أحب اللغة العربية على عكس معظم طلاب المدارس المصرية، ربما كانت المناهج الحكومية سقيمة وعقيمة لكنني أحب اللغة نفسها، أحب تراكيبها وموسيقاها ومفرداتها وقواعدها النحوية، أجدها لغة غنية، لغة مناسبة للكتابة الأدبية – ربما ليست مناسبة بذات القدر للكتابة العلمية – وحافلة بمخزون ضخم من المفردات يجعل مهمة الكاتب في انتقاء اللفظ المناسب يسيرة، ربما ساعدني كذلك حفظي لأجزاء من القرآن الكريم في سن مبكرة وتعود أذني على النطق السليم والضبط الصحيح لنهايات الكلمات مما يجعلني ألتقط الأخطاء النحوية والإملائية بسهولة، بمنتهى الصراحة لا يمكنني أن أفهم كيف لشخص بالغ ألا يستطيع كتابة أو قراءة فقرة من عدة جمل بلغته الأصلية بشكل صحيح!
نأتي إلى قصة هذه الرواية التي تعود جذورها للعام 2013 حين كتبت هذه التغريدة:
كان في ذهني أفكار حينذاك كثيرة متداخلة يمكن ترتيبها في رواية، كان ذلك العام أحد أصعب أعوام حياتي أو ربما أصعبها على الإطلاق على المستوى الشخصي والمهني، ربما لهذا السبب أردت الكتابة وشرعت فعلًا في كتابة رواية ثم توقفت حين توقف تدفق الأفكار، كتبت فصولًا كاملة ربما تمثل نصف رواية، لكن ما كان لدي هو بداية رواية فقط، لم أعرف أين سأذهب بها أو كيف أريدها أن تنتهي فتوقفت وحسب، وما زالت لدي تلك الفصول ومازلت لا أعرف ما أريد أن أفعل بها!

.

ثم عادت فكرة الكتابة مرة أخرى في 2017 بمجموعة أفكار أخرى يجمع بينها رابط ما حاولت تعقبه حتى أوصلني للفكرة الأساسية التي أريد التعبير عنها ثم تدفقت الكتابة تلقائياً حتى انتهيت من الرواية بأكملها في أقل من شهرين، كان ذلك أول عمل مكتمل ملموس يمكن تحويله لكتاب منشور، لكنني لم أكن على يقين من أنه يستحق النشر فعلًا، ليست الكتابة مهنتي على أي حال فإذا لم يكن ما أكتبه جيدًا بالقدر الكافي فلا داعي لتحمل عبء نشره، يمكن لأي شخص بالطبع نشر أي شيء طالما سيتحمل هو تكلفة النشر وذلك هو تفسير ما تجده في المكتبات ومعرض الكتاب من هراء مطبوع على ورق أنيق، ستجد ألف دار نشر ترحب بك وتنشر لك ما تريد نشره طالما أنك ستدفع، لكن ذلك ليس ما أريده، ليس النشر في حد ذاته هدفي ولا يسعدني أن يوضع اسمي على عمل لم يكن يستحق النشر، لم أكن أنتظر كذلك أي عائد مادي، لست كاتبًا محترفًا ولن أكون، ولا أملك رفاهية التفرغ للكتابة، أنا أكتب لأن الكتابة نشاط إبداعي محفز للمخ، أكتب كنوع من العلاج النفسي أو الرياضة الذهنية، وبالتالي فأنا أكتب من أجلي أنا قبل أي اعتبار آخر، أنا أكتب لأن الكتابة تحسن صحتي النفسية، وبناءًا على هذا المبدأ قررت أنني لن أدفع أي مال في طباعة أو نشر هذه الرواية، فإما أن أجد ناشرًا يقتنع بصلاحيتها للنشر ويتحمل تكلفته – بالطبع لن يغامر أي شخص بماله لمجرد مجاملتي، من يقرر أن يدفع مالًا لنشر رواية فهو بالقطع مقتنع بأنه يمكنه الكسب من نشرها – وإما أن أكتفي ببساطة بالكتابة لنفسي ونشر ما أكتبه بصورة إلكترونية على مدونتي، لم تكن لدي أية مشكلة مع ذلك على الإطلاق.

.

بدأت بحثًا موسعًا وشاملًا عن دور النشر في مصر والدول العربية (لبنان – الإمارات – الكويت – الأردن – المغرب – إلخ) وأعددت قائمة طويلة تحتوي أكثر من 40 دار نشر وبدأت في التواصل معهم وإرسال الرواية إليهم لتعرض على لجان القراءة، ليس من السهل بالطبع إقناع دار نشر بالرواية الأولى لكاتب لا يعرفه أحد، ليس لدي إلا الرواية نفسها، رد علي معظم من أرسلت إليهم، بعضهم بالرفض المهذب لأسباب متعددة (الرواية لا تتناسب مع سياسة الدار، انتهينا من خطة النشر للعام القادم ولن نقبل كتبًا أخرى لهذا العام، ظروف السوق لا تسمح، إلخ) وبالموافقة المشروطة من عدد أكبر كلهم اشترطوا مشاركتي في تكاليف الطباعة والنشر بنسب ومبالغ متفاوتة ما بين مبلغ رمزي بالجنيه المصري إلى مبلغ فلكي بالدولار الأمريكي، لكن لأنني ألتزم بالمبدأ الذي وضعته من البداية فلن أدفع أية أموال لنشر الرواية وليكن ما يكون.

.

ثم جاء اليوم الذي اتصل بي فيه دار غراب للنشر والتوزيع عارضين عقدًا ينص على تحملهم لكامل تكاليف الطباعة والنشر والتوزيع، وتم توقيع العقد في سبتمبر 2017 على أن توضع الرواية في خطة النشر للعام الجديد الذي يبدأ بنهاية معرض الكتاب، وفي ديسمبر 2018 خرجت الرواية للنور على أن تصدر رسميًا في اليوبيل الذهبي لمعرض القاهرة للكتاب في يناير 2019.

.

أعادني ذلك الاتفاق إلى الكتابة مرة أخرى، أكتب حاليًا رواية اسمها “سنوات الثقب الأسود” أظنها ستكون أفضل لكنني لا أملك التفرغ – الذهني على الأقل – لاستكمالها، ما زالت بعض أجزائها رمادية في ذهني وإن كانت الصورة العامة لما أريد أن أكتبه مكتملة إلى حد كبير.

.

تتناول رواية “كومبارس متكلم” الناس العاديين، أولئك البشر الذين يمرون أمامك في الطريق ويجلسون بجوارك في المواصلات دون أن تتذكرهم بأية علامة تميزهم لا بالسلب ولا بالإيجاب، ليست لهم بطولات خارقة أو مآسي مريعة، لكن لكن منهم حياة كاملة تدور أثناء دوران حيوات الآخرين من العاديين وربما تتقاطع معها دون أن يدري أحد، حياة أحدهم لا تهم أحدًا ولا يكترث بها أحد، فهم في نظر الآخرين مجرد “آخرين” ليست لهم ملامح ولا أسماء، ليست لهم أية أهمية إلا حينما يجمعهم مكان واحد، حينها يصبحون شيئًا ما، يصبح لهم وزن وتأثير، لكنهم ليسوا من يصنع ذلك التأثير أو يتحكم به، إنهم مجرد مجاميع تكتسب أهميتها من كونها كيانًا واحدًا، مثل الكومبارس في السينما والمسرح، لا يمكنك تمييز ملامح أحدهم ولا تعرف اسم أي منهم، لا دور لأحد منهم بمفرده، لكنهم – مجتمعين – لهم دور أساسي يحدده ويتحكم به – ويستفيد منه – المخرج.
كتلة بشرية ضخمة لا تظهر لها نهاية، وأصوات هتافات ونداءات متقاطعة مختلطة لا يمكنك تمييز أي منها بوضوح، كانت تلك الكتلة تشكل لوحة ضخمة من رؤوس بلا وجوه، بلا ملامح، بلا أسماء، مجرد عدد، وفي بلد يقترب من مليونه المائة ليست للأعداد تلك الأهمية الكبيرة“.
106 Total Views 1 Views Today
Husseinكومبارس متكلم – حسين مهران