استخدام العمارة في التأثير السياسي والديني والوجداني على الشعوب

Hussein Architecture, Articles

التصميم المعماري للمباني كان طول تاريخ البشرية وسيلة من أنظمة الحكم لتمرير رسائل غير مباشرة للمواطن العادي، رسائل يحس بيها وتأثر فيه وتوجه مسار حياته من غير ما يحس، هاستعرض أمثلة لده عبر التاريخ

في مصر القديمة مثلا تقريبا كل المباني اللي وصلت لنا كانت مباني دينية بشكل أو آخر، وعشان العقيدة الدينية في مصر القديمة كانت هي عصب الحياة ومصدر شرعية الحكم نفسه باعتبار الفرعون ابن الآلهة، فكان المعبد هو أهم مبنى في المدينة وهو اللي بيتوجه له التمويل والكوادر البشرية الماهرة

وكان التصميم موجه بالأساس لترسيخ هيمنة المعبد (اللي بيمثل هيبة الآلهة وشرعية الحكم في نفس الوقت) على الناس، بشكل عام هتلاقي المعبد بيبدأ بساحة ضخمة قدامها صرحين كبار ومسلتين وتمثالين للفرعون بحجم ضخم، كل حاجة في الساحة دي متصممة عشان الإنسان يحس بالضآلة والرهبة قدام ضخامتها

تدخل المعبد من بين الصرحين تلاقي بهو الأعمدة الرئيسي، أعمدة ضخمة وعالية جدا والضوء بيعدي منها كإنها واصلة للسماء، نفس الإحساس بالضآلة، بعد كده تبدأ الفراغات تصغر تدريجيا في الطول والعرض والارتفاع وحتى الإضاءة، ارتفاع السقف بيقل والأرضية بترتفع، فتديك إحساس تدريجي بالغموض والأهمية

ولحد النهاردة الخدعة اللي بيعملها المعماري عشان يحسسك بأهمية المكان (وانه مش لأي حد) هي تقليل الإضاءة، افتكر كده أي مطعم شيك أو محل غالي أو حتى معرض عربيات فارهة هتلاقي دايما الإضاءة فيه أقل من الأماكن الرخيصة

وكل ما تتقدم جوه المعبد الفراغات تصغر والناس المسموح لها بالدخول تقل، فيه طبقة مسموح لها بس تقف في الساحة الخارجية وطبقة تقدر تدخل بهو الأعمدة وطبقة تقدر تعدي جوه، تقسيم طبقي للمجتمع باستخدام وتشكيل الفراغات المعمارية والضوء والصوتيات كمان لأن انعكاس الصوت بيقل كل ما الفراغ يصغر

ويكمل المعماري في التعذيب النفسي غير المحسوس ده لغاية ما يوصلك لقدس الأقداس، غرفة صغيرة ومظلمة في نهاية المعبد مش مسموح بدخولها إلا لكبار الكهنة، واللي بيوصلها بيكون جاهز نفسيا وحاسس بخطورة المكان اللي هو فيه من غير ما حد يقوله أي حاجة.

نيجي لمثال تاني من العمارة الرومانية، معبد البانثيون في روما مثال واضح لفكرة الفراغ الضخم جدا الغير متناسب مع المقاييس البشرية وكأنه مصمم لكائنات خارقة، والقبة المهولة اللي كانت معجزة معمارية في وقتها برضه بتحسسك بالضآلة جوه المبنى المهول ده

الصوتيات طبعا مذهلة في انعكاسها على الحوائط الدائرية، أي كلمة هتسمعها جوه هتديلك إحساس بالأهمية وكأنها جاية من السماء، بجانب العنصر المعماري الأهم في المبنى وهو الفتحة الدائرية اللي في السقف واللي ضوء الشمس بينزل منها على شكل حزمة من النور تحسسك ان السماء بتشاور عليك انت تحديدا

مثال تالت من العمارة المملوكية وتصميمات جوامعها اللي تبدو غير مفهومة أحيانا، تلاقي في بعض النماذج المدخل صغير ومظلم وغير مباشر، تدخل من الشارع تلاقي نفسك في فراغ ضيق ومظلم ومحتاج تلف في كذا ممر لحد ما توصل للصحن، أحيانا بتبقى شايف الصحن بس معندكش مدخل مباشر له

فتبقى متخبط وتايه ومش شايف بوضوح لثواني قليلة لحد ما تلاقي نفسك في صحن الجامع الواسع اللي بيغمره ضوء الشمس، المعماري هنا شكل الفراغات بطريقة غير تقليدية عشان يعمل إيحاء نفسي وتجسيد غير مباشر لفكرة الخروج “من الظلمات إلى النور”

طبعا العمارة المملوكية في القاهرة لوحدها مليانة نماذج بديعة للفكرة دي بتشكيل الفراغات والصوتيات والضوء (جامع السلطان حسن مثلا)، وفيه شرح جميل جدا للموضوع ده في محاضرة عملها لؤي عمران (هو ممثل ومعماري حاصل على الماجستير) هتلاقوها هنا

نيجي للعصور الحديثة بقى ومع تعقد الأيدلوجيات السياسية وتطور تكنولوجيا البناء كمان، هتلاقي العمارة السوفيتية مثلا قايمة على فكرة المساواة وتوفير السكن للجميع، فكل الناس هتسكن في نفس البلوكات عديمة الروح والهوية دي عشان المواطنين متساوين وعشان المواطنين يتعلموا التعاون

ومفيش أي اعتبار للجماليات في المباني دي، احنا هنعمل الحد الأدنى لكل حاجة، أولا عشان التكلفة وثانيا عشان طمس أي محاولة لخلق هوية متفردة لأي مواطن/عمارة/حي/مدينة، وهنا فيه فيلم سوفيتي من السبعينات بينتقد المبدأ ده بطريقة ساخرة (عشان كان فيه رئيس جديد بينتقد سياسات العهد السابق)

الفيلم باختصار شديد عن شخص عايش في موسكو وبطريقة كوميدية ملفقة كان سكران فركب بالغلط طيارة للينينجراد من غير ما يحس انه راح مدينة تانية، ركب تاكسي وقاله وديني شارع كذا عمارة رقم كذا، وعشان المدن السوفيتية كلها متطابقة كان فيه شارع بنفس الاسم وعمارة بنفس الرقم زي عمارته بالضبط

فالراجل طلع لقى شقة زي شقته بالضبط برضه ودخل نام عادي، المهم يعني ان الفيلم بينتقد انعدام الهوية في المدن السوفيتية واللي كان مقصود في عهد معين لأسباب سياسية وتم تنفيذه بكفاءة شديدة عن طريق المعماريين والمخططين السوفييت، دي مقدمة الفيلم

https://video.twimg.com/ext_tw_video/1579406986139017217/pu/vid/480×270/eWpUajHGC4Vp-Ol0.mp4?tag=12

نيجي لمثال تاني العمارة عملت فيه العكس، خلقت هوية لبلد جديدة اسمها الولايات المتحدة معندهاش تقاليد عريقة زي فرنسا/إيطاليا/بريطانيا/روسيا مثلا، فتلاقي في العاصمة واشنطن دي سي المباني الرسمية اللي بتمثل مؤسسات الدولة مصممة على طرز حضارات العالم القديم

وهنا المعماري عايز يوصل رسالة ان الدولة الجديدة دي قايمة على موروثات العالم القديم ومش منفصلة عنه، لكن في نفس الوقت هي مستقبل العالم، هتلاقي في واشنطن مباني على الطراز الإغريقي (رمز الفلسفة والديمقراطية) والمصري (رمز الحكمة والعلم) والروماني (رمز الهيمنة القوة العسكرية)

هنا المعماري خلق هوية وجذور تاريخية للدولة الجديدة يقدر المواطن ينتمي لها، والأجيال اللي بعده كملت على النهج ده لدرجة ان المواطن الأمريكي العادي النهاردة هيحس ان هي دي العمارة الأمريكية ويمكن لو راح أوروبا وشاف المباني الأصلية هيفتكر انهم مقلدين الطراز الأمريكي الكلاسيكي 

مثال تاني على ده برج أيفل مثلا، لو بصينا له بحيادية هتلاقيه مجرد هيكل معدني (مش مبنى حتى) وملوش أي وظيفة، لكن فرنسا في أواخر القرن الـ19 كانت عايزة تغير صورتها قدام العالم من إمبراطورية رجعية لجمهورية حديثة قايمة على العلم والصناعة، وقدرت فعلا تعمل كده بالهيكل المعدني المبهر ده

ده كان بمناسبة إكسبو باريس 1889، وقبلها بريطانيا عملت كده بمبنى الكريستال بالاس بمناسبة إكسبو لندن 1851، بريطانيا برضه قدمت نفسها للعالم كقوة صناعية وتكنولوجية عظمى بالمبنى اللي كان سابق عصره بكتير، ولغاية إكسبو دبي 2021 كل مدينة كانت بتقدم نفسها للعالم من خلال إنجاز معماري مبهر

لكن مع صعود مبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان العمارة اتحولت لأساليب بتعكس مفاهيم زي الشفافية والمواطنة والاستدامة والوظيفية، هتلاقي المباني الحكومية وأماكن العمل بقت مصممة لراحة المستخدمين أكتر من الشكل الكلاسيكي الصارم، الدول المتحضرة يهمها راحة مواطنيها أكتر من ترسيخ هيبة الدولة 

هتلاقي في جورجيا مثلا قرروا يخلوا واجهات أقسام الشرطة زجاجية شفافة عشان المواطن يشوف اللي بيحصل جوه ويكسروا الرهبة المترسخة عند المواطن من الشرطة والموروثة من العهد السوفيتي لما كانت أقسام الشرطة أماكن مرعبة ومحدش يعرف إيه اللي بيحصل جواها، ده رجع ثقة الناس في مؤسسات الدولة

حتى أماكن العمل العادية سواء حكومية أو خاصة اتحولت من الطراز الكلاسيكي المهيب (اللي في معظم الأحيان مكانش بيأدي وظيفة المبنى بكفاءة لأنه مركز على الغلاف الخارجي مش على الوظيفة) لأماكن مبهجة شفافة بتدخلها الشمس وبتدعم أنشطة بترفع جودة الحياة

طبعا ده في الغالب مش عشان سواد عيون الموظف لكن عشان ثبت ان التصميم الجيد بيخلي المؤسسة تحقق ربح أكبر وتحافظ على الموظفين اللي سوق العمل المفتوح عطاهم حرية الانتقال لمكان تاني لو مش مبسوطين، هنا المعماري رفع جودة حياة الموظف وزود ولاؤه لشركته وزود ربح الشركة نفسها.. شكرا

162 Total Views 2 Views Today
Husseinاستخدام العمارة في التأثير السياسي والديني والوجداني على الشعوب